بلد بثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي

بلد بثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي

المغرب اليوم -

بلد بثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي

بقلم - محمد الرميحي

في مساء يوم خريفي جميل (أيلول/ سبتمبر 2001) وفي ساحة النجمة وسط بيروت التي يعج مساؤها بالمتسكعين غادين ورائحين، في الغالب يتفرج بعضهم على بعض، أو ينتشروا في مقاهي الرصيف، مستمتعين رجالاً ونساء نافخين النرجيلة ودخان السيجار.

وفي انفراجة بيروتية نادرة، جمعتني جلسة مع أشهر عازب في لبنان، الذي يناديه أصدقاؤه بـ"البك"، وهو لمن لا يعرفه الأستاذ منح الصلح، رحمه الله، ابن لعائلة سياسية عربية بيروتية، أصابها ما أصاب العروبة من نجاح وفشل.

والجلسة مع "البك" ممتعة، لأن فيها من الذكريات الكثير ومن العبر القليل كما يقول، إلا أنها متقطعة، فلا عابر سبيل أو نادل إلا سلم على "البك"، بل أن بعضهم استأذن للجلوس قليلاً حيث أراد أن يؤكد معلومة، أو ينفي خبراً، أو ينشر إشاعة ساخنة.

بعد أن استمع إلى تعليقاتي بصبر حول حيرتي في فهم السياسة في لبنان، قال: ألا تعرف أن في لبنان ثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي! ثم أردف ببرود شديد، ألم تقرأ افتتاحية جريدة "النهار" اليوم، لقد نشرت الجريدة في افتتاحيتها أن السياسة في لبنان هي "غياب الأرب ومنتهى الطرب"!

في البداية احترت في فهم الجواب، هل هو مفحم ومليئ بالخبرة الطويلة، أم هو تورية، لأن بعض اللبنانيين في فمهم ماء أكثر مما يتدفق في نهر الوزاني!

البك الذي عرفه قراء جيله لما كتب في الصحف والمجلات العديدة، ولما حاضر مدافعاً عن عروبة لبنان في منابر شتى، يعرف لبنان كما يعرف هموم بقية الدول العربية. هو وريث شرعي للصلحية، أو آل الصلح، وهي مدرسة في السياسة اللبنانية استمدت مرجعيتها عندما وفق جدهم الكبير بين مسلمي لبنان ومسيحييه، كي يصبح لبنان كما هو عليه اليوم، وطن مبني على تناقضاته، ثنائياته تتوالد، ودون هذه التناقضات والثنائيات لا يبقى لبنان كما نعرفه، لبنان الكتائب والقوات والوطني الحر ولبنان "حزب الله"، لبنان الذي تتوالد فيه المسميات الحزبية.

"غياب الأرب ومنتهى الطرب" يلخص الحياة السياسية في لبنان، ففي الوقت الذي يتفق معظم اللبنانيين على شعار، هو لبنان أولاً ولبنان أخيراً، فإن مواصفات "لبنان" المطلوب مختلف عليها بينهم، رغم أن كل الأرقام التي يقرأها المتابع عن ديون لبنان الخارجية وعن وضعه الاقتصادي تقود إلي الاستنتاج على أقل تقدير أنه في وضع اقتصادي صعب، يبعث الرجفة والخوف من المستقبل.

إلا أن لبنان لا يخلوا من طرافة مفزعة، فقد كان أحد أعضاء غزوة مانهاتن لبنانياً، كما سجل في التاريخ العربي المعاصر اسم تلك الكارثة، فهذه "الغزوة" ضمت من ضمن ما ضمت من انتحاريين، مواطناً لبنانياً هو زياد سمير الجراح، الذي أسقطت طائرته فوق منطقة بنسلفانيا، وقيل إنها كانت قاصدة للبيت الأبيض، أو مجلس الشيوخ. والطريف أن أحدهم وهو لبناني أيضاً ظهر على التلفزيون اللبناني وقتها، واسمه بالضبط زياد سمير الجراح، يشكو مر الشكوى من تشابه الأسماء، و يتحسر من أن أوراقه قد رفضت أكثر من مرة في محاولته للحصول على تأشيرة دخول لأكثر من بلد عربي أو غربي، لأن اسمه الثلاثي يتطابق مع اسم أحد أعضاء غزوة منهاتن! وهل في غير لبنان تجد مثل هذا التناقض الصارخ، وهل في غير أرض العرب تجد أناساً لا تفرق بين زياد المتوفى في ظروف كارثية، وزياد الذي يبحث عن لقمة العيش الشريفة؟ يا لها من مفارقة مبكية مضحكة!

ولا يقف التناقض في لبنان هنا، فلبنان أيضاً بين نارين في وضع الشرق الأوسط الدقيق، بين أن يلعب دور هانوي في رفد المقاومة، وبين دور هونغ كونغ في فتح أبوابه مشرعة لاستثمار عالمي مطلوب بإلحاح. الأخير يتطلب استقراراً والأول يحتم الاستنفار. وبين الفكرتين، الاستقرار والاستنفار تراوح السياسة المعلنة، والسياسة المطبقة.

منذ الجلسة مع البك، وقد مر عليها ربع قرن، مر لبنان بمنخفضات سياسية ضخمة، إلا أن العام المنصرم (منذ كانون الثاني/ يناير) قد شهد فصلاً جديداً يبشر بالكثير من التفاؤل.

المؤسف أن بعض السياسيين (ربما أصبحوا قلة) لا يرغبون إلا أن يسيروا سيرتهم الأولى في التنمر وخداع الجمهور وإبقاء لبنان حبيس الماضي.

أحدهم اعتقد أن "الله وهبه" للبنان، فصار يدلي بالأحاديث المتناقضة والتنمر على بلده وعلى الجوار، وليس غريباً عليه... لقد فاته أن الوعي اللبناني والعربي قد انتقل إلى مكان آخر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بلد بثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي بلد بثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي



GMT 07:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

لا يفقدان

GMT 07:28 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

سجادة الجمر الإيراني

GMT 07:27 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

إيران وإسرائيل ونحنُ... ماذا لو؟!

GMT 07:26 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ثلاث حروب لا حرب واحدة

GMT 07:25 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

طلقات «فشنك»!

GMT 07:23 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب

GMT 10:58 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

كله من "هرمز"!

GMT 10:57 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

البعثة القمرية

GMT 12:06 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح
المغرب اليوم - حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح

GMT 19:53 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 21:14 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تجنب اتخاذ القرارات المصيرية أو الحاسمة

GMT 21:02 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

"اصاحبى" يجمع بيومي فؤاد مع محمد ثروت

GMT 12:45 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 05:38 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

عمرو الليثي يُوضّح كواليس آخر حوار أجرته الراحلة شادية

GMT 00:24 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

اليابان تخطط لبناء أسرع حاسب عملاق في العالم

GMT 18:52 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أنباء عن تغيير موعد مواجهة نهضة بركان والوداد البيضاوي

GMT 00:51 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

رامي رضوان يؤكد أن تقديم توك شو صباحي أسهل من المسائي

GMT 11:18 2015 الجمعة ,17 تموز / يوليو

السجن لأب أسترالي زوج ابنته ذات الـ12 عام

GMT 00:45 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد شاغو يطالب الجماهير المراكشية بالعودة إلى المدرجات

GMT 08:16 2024 الإثنين ,27 أيار / مايو

إصابة وزير الثقافة المغربي بفيروس كوفيد -19
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib