التساند الوظيفي بين السياسات الإيرانية والإسرائيلية

التساند الوظيفي بين السياسات الإيرانية والإسرائيلية

المغرب اليوم -

التساند الوظيفي بين السياسات الإيرانية والإسرائيلية

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

هذا المقال يهدف إلى محاولة التعرف إلى آلية تفسر كيف تغذي الأزمات المتقابلة مشروعين متصارعين ظاهرياً ومتكاملين موضوعياً، أي ما يعرف بالتساند الوظيفي أو (الاعتماد الوظيفي بين قطبين)، وكيف يؤثر الطرف الأول في الطرف الثاني، إما في وظيفته أو أهدافه ـ وفي الوقت نفسه لا يستطيع أي طرف أن يحقق أهدافه كاملة، وتبقى الأزمة معلقة. في الظاهر الطرفان خصمان، وليس بينهما تعاون مباشر، بل علاقات متعارضة، يحصل كل طرف على فائدة سياسية وآيديولوجية أو أمنية، من وجود الطرف المضاد. الطرفان، حتى لو قالا إنهما عدوّان، فإن كلاً منهما يستفيد من موقف الطرف الآخر.

تعيش منطقة الشرق الأوسط منذ عقود، على وقع تلك المعادلة، وتتداخل فيها الآيديولوجيات بالجيوبولتيكس، وتتصادم فيها المشاريع الإقليمية، مع البنى الوطنية لدول المنطقة، وفي قلب هذا المشهد تبرز معادلة لافتة بين طهران، وتل أبيب (كلما اشتد صلف السياسة الإسرائيلية في فلسطين وجوارها، ازداد زخم الخطاب الإيراني في الإقليم وتوسع نفوذها عبر الميليشيات والجماعات التابعة). في المقابل، استخدمت إسرائيل ذلك الاستقطاب لتبرير سياستها العدوانية، الأمنية والعسكرية.

هكذا تتشكل معادلة الاعتماد الوظيفي بين الطرفين، بحيث يغذي طرف عن غير قصد، مشروع الطرف الآخر. الفعلان يقلقان استقرار الوطن العربي، وتتعرض القضية الفلسطينية لمخاطر أصبحت جلية.

منذ 1979، شكلت إيران هويتها السياسية على مفهوم (المقاومة) وظهر شيء سمي (محور المقاومة)، أما إسرائيل فتبلورت عقيدتها على أساس (الخطر الوجودي) من الجوار، وبخاصة الخطر النووي الإيراني. هاتان العقيدتان، رغم تعارضهما المعلن، تخلقان اعتماداً متبادلاً، إيران بحاجة إلى عدو، يتيح لها التحشيد الدائم في المجتمع، ويبرر تمدد الميليشيات في الخارج، وإسرائيل بحاجة إلى تهديد كبير، يمكنها من حشد المجتمع الإسرائيلي. وبالتالي أصبحت سياسة طرف، ضرورة استراتيجية للطرف الآخر.

الفعل الإسرائيلي في السنتين الأخيرتين من الإبادة في غزة والاستيطان، أغضب شرائح واسعة من الجمهور العربي، هذا الغضب يوفر لإيران مادة خاماً لتسويق مشروعها، واستقطاب مجموعة عربية غاضبة واستعدائها ضد أوطانها، ويسلح الوعي العام العربي بكم من الرفض. هذه المجاميع ترفض المساواة بين الخطرين، حيث يشكل الأول في نظرها خطراً مصيرياً، والثاني قد يكون مؤجلاً، هنا يقع الرأي العام العربي في مصيدة التفضيل، وشباك التبعية.

خروج سوريا من معادلة «محور المقاومة» أعاد رسم شبكة النفوذ في المنطقة، وأربك المشروع الإيراني، ووضع «حزب الله» في مأزق، كما أن الاقتصاد الإيراني منهك، حيث لم يتبقَّ سوى الحوثي في اليمن، والمجموعات الولائية في العراق.

المشروع الذي تقدمه الدولة الوطنية العربية في سعيها للوصول إلى (حل الدولتين)، تصوب عليه كل من إسرائيل وإيران بالرفض، كل على طريقته، وتحاول الاثنتان إثارة العواطف الطائفية والعرقية، لإقعاد الدولة الوطنية العربية وإشغالها. إسرائيل تناصر الأقليات، وكذلك إيران، كل من جانبه، يحاول الاستفادة.

السؤال الذي تتوجب الإجابة عنه، متى وكيف يمكن أن يضعف أو يفكك هذا الاعتماد الوظيفي؟ الإجابة هي صعود الدبلوماسية الخليجية النشطة، وبخاصة تجاه القضية الفلسطينية، وحل الدولتين، الذي يزداد الاعتراف به في عواصم أوروبية، وأيضاً باعتراف ضمني في واشنطن، حيث ضعف المزاج الغربي في النصرة الأميركية المطلقة لإسرائيل، من هنا يأتي قرار مجلس الأمن الأخير، والذي رحب بما سماه (الجهود الأميركية لإطلاق مسار سياسي جديد بعد توقف دام سنوات)؛ وهي إشارة ضمنية إلى حل الدولتين، كما أن زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، تزيد من تفهم الإدارة الأميركية إلى أهمية حل صُلب الأزمات في المنطقة. القرار الموافق عليه مؤخراً، يمنع التهجير، وضمان وجود فلسطيني موحد، من بين بنود أخرى.

معركة الدولة الفلسطينية التي وضعتها الدبلوماسية العربية على المسرح الدولي ومن خلال الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أصبحت القضية الكبرى، وللمرة الأولى في تاريخها الطويل، توضع على سكة الاعتراف الدولي، كما حددتها وثائق الأمم المتحدة، ويمكن أن تضعف المشروعين المتصارعين، وتحرمهما من وقود استمرار الصراع، وتوقف اختطاف الرأي العام العربي، وتدخل المنطقة في سلام.

المعادلة الجديدة تحتاج إلى جهد ليس عربياً، وهو مبذول، ولكن إلى جهد فلسطيني للخروج من دوامة صراع (الأبوات)، وبناء وفاق وطني طال انتظاره، والاتفاق على برنامج سياسي مشترك قادر على مخاطبة العالم، ودعم الجهود العربية، ووضع آلية متفق عليها لحل الخلافات بين الفصائل، وتجديد الشرعية الوطنية الفلسطينية.

إصلاح السلطة الفلسطينية مطلب قديم، ولكنه ما زال يراوح في مكانه، ومع الاعتراف الدولي، فقد أصبح فرض عين، على أن تستخدم لغة حقوق الإنسان والقانون الدولي في الخطاب، وهي التي تؤثر اليوم في الرأي العام العالمي المتعاطف، وخلق بيئة مقنعة بأن هناك شريكاً فلسطينياً قادراً على الحكم، وقتها ستصبح الجهود العربية أكثر قرباً لتحقيق أهدافها.

آخر الكلام: العلاقة تتحرك ضمن نمط وظيفي غير معلن يستفيد منه كل طرف من سياسات الآخر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التساند الوظيفي بين السياسات الإيرانية والإسرائيلية التساند الوظيفي بين السياسات الإيرانية والإسرائيلية



GMT 00:20 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

أهداف الاستعمار الفرنسي

GMT 00:18 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

هل يقدر قوادري على فيلم الأسد؟

GMT 00:17 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

اللجوء إلى خندق السطور

GMT 00:14 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»

GMT 07:10 2026 الجمعة ,20 آذار/ مارس

للعيد كعك في غزة

أناقة نجمات رمضان 2026 في منافسة لافتة خارج الشاشة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 17:54 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 18:37 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ابتعد عن النقاش والجدال لتخطي الأمور وتجنب الأخطار

GMT 16:43 2022 السبت ,25 حزيران / يونيو

إطلاق علامة "شيري" للسيارات في المغرب

GMT 08:13 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:56 2020 السبت ,25 تموز / يوليو

15 طقم ذهب ناعم: اختاري منها ما يناسب ذوقكِ

GMT 12:17 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أحمد حليم يطرح كليب جديد بعنوان "6 بوسات" علي اليوتيوب

GMT 08:54 2022 الجمعة ,04 شباط / فبراير

منتخب مصر يتلقى خبرا سارا من الـ"كاف"

GMT 04:31 2021 الثلاثاء ,30 آذار/ مارس

"السيتي" يعلن رحيل أغويرو

GMT 03:35 2020 الأربعاء ,19 آب / أغسطس

هنا الزاهد" تسأل زوجها عن أكثر ما يعجبه فيها

GMT 19:00 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تمتعي بالزراعة في أي مكان في منزلك
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib