التدمير الذاتى

التدمير الذاتى

المغرب اليوم -

التدمير الذاتى

عمرو الشوبكي

اعتاد العالم العربى أن يتحدث عن مؤامرات الآخرين لتدميرنا، وهو فى جانب صحيح، ولكنه يمثل نصف الحقيقة، لأن النصف الآخر نتحمله نحن بأفعالنا وبقدراتنا على تدمير أنفسنا سواء عن طريق نظم فاشلة ومستبدة أو خيارات سياسية كارثية أو حالة من الفوضى العبثية التى تفنن البعض فى ترويجها لتدمير أى إنجاز ولو محدود.

النظرة القاصرة هى التى تغوص فى نظريات المؤامرة ولا ترى إلا الخارج كمسؤول وحيد عن تدميرنا، وهى تساهم فى بقائنا على حالنا، لأن هذا قدرنا الذى خططت له مؤامرات المستعمرين، والوجه الآخر لنفس النظرة يتمثل فى نظريات جلد الذات التى ترى أن كل المصائب هى نتيجة الشعب الجاهل والثقافة البالية والحكام المستبدين.

المؤكد: نحن فى حاجة إلى امتلاك الجرأة فى الحديث عن مسؤوليتنا ومسؤولية الآخرين فيما أصابنا من تراجع، وأن هيمنة خطاب مسؤولية الآخرين ومؤامراتهم على الصراخ السياسى والإعلامى الآن، (وليس النقاش السياسى)، تجعلنا حريصين أكثر على الحديث عن مسؤوليتنا فيما أصابنا من تدهور، دون أن نلغى مسؤولية الآخرين وتآمرهم علينا.

والحقيقة أن أوضاعنا السيئة تطلب تشريحا نقديا حقيقيا لخطاب التدمير الذاتى الذى مارسه كثير منا سواء من النخبة أو من أهل الحكم، وشمل جوانب كثيرة، أولها تمثل فى إفشال الإنجازات، ولو على محدوديتها، فثورة يناير لم ينظر لها باعتبارها نقطة مضيئة فى تاريخ مصر الحديث كان يجب الاستفادة بالطاقات التى أطلقتها من أجل الإصلاح والتنمية والتقدم وليس من أجل الهدم والتخريب أو تفجير حملات التخوين والشتائم فى حق ملايين المصريين الذين شاركوا فيها.

كيف تحول وضع سياسى ملهم للبناء إلى طاقة سلبية جعلت قطاعا ليس بالقليل من المصريين يكره الثورة ويترحم على ما كان قبلها؟! المؤكد أن كل الأطراف مسؤولة عما آل إليه مسار البلاد بعد ثورة يناير سواء من القوى السياسية والثورية أو جماعة الإخوان المسلمين أو سلطة المجلس العسكرى، فجميعا وقعوا فى أخطاء جسيمة أدت فى النهاية إلى تحول كثير من الطاقات الإيجابية التى فجرتها يناير إلى طاقة سلبية للتدمير الذاتى.

والحقيقة أن ثورة يناير كانت تقول إن هناك طاقة ضغط جماهيرى قد فتحت لبدء مسار إصلاحى كانت له نتائج فورية أجهضت مشروع التوريث وأجبرت من بقى فى السلطة 30 عاما على الاستقالة، وأخرى مؤجلة تركت فى يد الفاعلين السياسيين ممن كانوا فى الحكم أو الشارع وأضاعوها معا.

البعض لم يهتم بنبض غالبية الشعب المصرى، وعاش فى «جيتو النشطاء» المغلق، وتصور أنه يخدم الثورة حين عيَّش مصر كلها على مدار أكثر من عام فى فعالياته الثورية التى حاصرت الأقسام ومديريات الأمن والوزارات السيادية، ونسى أو تناسى أن من تركوه يصول ويجول فى الشوارع والميادين والفضائيات المختلفة قد جعلوه مصدرا رئيسيا لخلق رأى عام غالب من المصريين رافض لممارساتهم، وينتظر بأى ثمن من يخلصهم من هذه الفوضى والاستباحة الثورية.

إن تحقيق هدف أقل من طموحات الجماهير يعنى أنك ستبقيها حاضرة معك فى معاركك من أجل الضغط على النظام القائم فى اتجاه إجراء مزيد من الإصلاحات، فى حين أن خطاب الفوضى المستمرة تحت اسم «الثورة الدائمة» يعنى عملياً أنك تفقد تعاطف أغلب الناس، سأماً من التظاهر اليومى والخوف من تفكك الدولة.

التدمير الذاتى لا يشمل فقط التشكيك فى كل احتجاج أو تحرك شعبى يقوم به الناس، فثوراته من 1919 مرورا بيوليو حتى يناير هى مؤامرات خارجية، إنما أيضا امتد ليشمل انتصارات الأمة: شعب ودولة، فى 1956 وأكتوبر 1973، من أجل إفقادك الثقة فى نفسك وفى قدراتك على القيام حتى بانتصارات مثل كل شعوب العالم والتركيز فقط على الهزائم والنكسات.

وامتد التدمير الذاتى إلى أداء كثير من القوى السياسية والحزبية، بعد أن دخلت فى خناقات جانبية وهامشية ليس فقط كما جرى، أمس الأول، أثناء مناقشة قانون الانتخابات، وفى حضور رئيس الوزراء، إنما نتيجة عجز القوى السياسية الرئيسية عن التوافق على برنامج عمل يضمن لها التنسيق فيما بينها من أجل توسيع المجال السياسى وضمان مشاركة أفضل للأحزاب.

حتماً «المكلمة» المكررة منذ عهد مبارك، والتى تقول إن فى مصر 90 حزبا، لا تتفق على شىء كمبرر لحصار العملية السياسية، هو من الأصل تصور قاصر ومنحاز، لأن فى مصر تقريبا 10 أحزاب وتيارات سياسية رئيسية فى اليمين واليسار والإسلاميين هى المطلوب أخذ رأيها فى قانون الانتخابات، وأيضا أن تتوافق على شكل العملية السياسية والانتخابية، وإذا فعلت ذلك فستغير كثيرا من المعادلات القائمة وستعيد الاعتبار للأحزاب والقوى السياسية، لأنها ستعى أن خلافها على الهوامش يدمر وجودها من الأساس، ويجعلها غير قادرة على المساهمة فى تشكيل المشهد السياسى الحالى.

التدمير الذاتى هو آفة متكررة فى تاريخنا وحياتنا السياسية والاجتماعية، وهى قد تأتى من القوى أو النظم المنوط بها البناء، فنكتشف أنها فى كثير من الأحيان لا تدمر فقط خصومها، إنما تدمر أنفسها، وربما تدمر معها طموحات وطن وأمة مازالت ترغب فى بناء نظام سياسى جديد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التدمير الذاتى التدمير الذاتى



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib