الشرع من موسكو إلى واشنطن

الشرع من موسكو إلى واشنطن

المغرب اليوم -

الشرع من موسكو إلى واشنطن

عبد الرحمن الراشد
بقلم : عبد الرحمن الراشد

حيَّرَ الرئيسُ السوريُّ أحمد الشرع الراصدينَ والمترصدين، فهوَ حالةٌ مختلفة. ومن منظورِ من يواليه أو يعاديه هو إسلاميٌّ، إخوانيٌّ، داعشيٌّ، تطبيعيٌّ، تغريبيٌّ، تحديثيٌّ، تركيٌّ!

إثرَ ظهورِه في العاصمة بعدَ يومٍ من اختفاء بشار الأسد وهروبِه خارجَ البلاد، كانَ الانطباع الفوريُّ، أنَّ حاكمَ دمشقَ الجديد ليس سوى حاكمِ «إمارة إدلب»، وكانَ ذلك كافياً للخوفِ من مرحلةٍ أخرى من العنف.

الحقيقة، أنَّ دمشقَ بعد أن مرَّت الأيام والأشهر، هي أنَّها لم تشبه ما كانت عليه في وقت الأسد، ولم تشبه كذلك إدلب. هذه زيارتُه الثانية للولايات المتحدة في شهرٍ واحد، الأولى كانت للأمم المتحدة، وهذه الثانية بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد قطعَ مسافة سياسيةً طويلة منذ أن التقى الرئيسَ ترمب في الرياض بترتيب من وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان منذ ستة أشهر تقريباً. خلالَ الفترة الفاصلة جرت أحداثٌ اختبرت قدرته على الصمود والمحافظة على جبهته، مع فئات متمردةٍ من الأقليات على نظامه، وخروج فئات من قواته على أوامره، وعمليات تسللٍ مسلَّحة من وإلى لبنان، وتصريحات تهدّده من إيران، وهجمات عسكرية إسرائيلية قضت تقريباً على البنيةِ التحتية العسكرية السُّورية التي ورثَها من النظام السابق.

دبلوماسياً حاول ويحاول ألَّا يخوض في الطين، سواء في الخليج أو غزةَ أو لبنان. ودولياً كانت زيارته لموسكو مهمة، نظراً لأنَّها كانت لنصف قرن، الحليفَ الأوّلَ للنّظام السابق، واليومَ أصبحت منفَى بشار والقادة السَّابقين. خلال الزيارة باتَ الاثنان في المدينة نفسِها لأوَّلِ مرة منذ الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

دمشقُ الجديدة، ومهما كانتِ الزاوية التي تراها منها، فهي بالتأكيد براغماتيةٌ وسريعة الحركة، تختلف كثيراً عن بشار الذي عُرفَ بعناده وجموده. لا ننسَى أنَّه قبل فترة قصيرة من سقوطه، رفضَ مقابلة إردوغان، رئيسِ الدولة الشَّمالية الكبرى. قالَ متهكماً: «لماذا التقي أنا وإردوغان؟ لنشرب المرطبات مثلاً!».

زيارةُ الشرع للرّوس تُظهر مهاراتِ الحاكمِ الدمشقي الحالي، وكيفَ يدير سياسة بلا عداوات موروثة ولا خلافات مزمنة.

لا شكَّ أنَّ حوله انقسمتِ الآراء وتغيَّرت معظم الانطباعات، لكنْ ليست جميعُها تتَّفق معه، وهذا أمرٌ متوقّع في إقليمٍ الانقساماتُ فيه تدور على حدِّ السَّيف.

حتى الآن نرى الشرعَ سوريّاً وطنيّاً، وليس مؤدلجاً. يسعى لإنجاز مهامَّ عدةٍ دفعة واحدة، أبرزها توحيد البلاد المفكّكة منذ 2011، وبسط سيطرة الدولة، ورفع العقوبات الأميركية والدولية، وإصلاح الأنظمة والتشريعات التي تعيق التطوير الداخلي وتمنع الاستثمارات الخارجية، وربما إعادة ملايين السوريين اللاجئين في عددٍ من دول العالم وإعادةِ هؤلاء المهجّرين إلى حياتهم القديمة قبل الحرب.

يمكن الحكم على سياستِه الخارجية بأنَّه وُفّق في معظم محاولاته في استمالةَ دول المنطقة، والمنطقة نفسُها مقتنعة بأهمية سوريا الجديدة. الخلاص من نظام الأسد يفوق في أهميته القضاء على «حزب الله». الدليل أنَّ نظام دمشق السابق لو كان موجوداً اليوم لأصبحَ تأهيلُ الوكيلِ الإيرانيّ وعودته لنشاطه فقط مجردَ وقت، كما فعل بعد حرب 2006. إنَّما بسيطرة الشرع يصبح تأهيلُ «حزب الله» وإعادةُ بناء قوته مستبعداً، حيث قُطع وريدُ العلاقة، وسُدَّتِ الطرق عليه مع العراق وإيران.

أمَّا الملفُ الأكثرُ صعوبة فهو العلاقة مع الجار العدو. نستطيع أن نقول إنَّ الشرع أدار العلاقةَ مع إسرائيلَ بشفافية وبراغماتية تحت عنوان خدمةُ مصالح سوريا أولاً، وليس إيران أو غيرها. سياسة الوضوح هذه صادرت من خصومه فرصةَ التشهير به والتحريضِ عليه. وكانت هناك مساعٍ لإثارة الرأي العامّ السوري والعربي ضدَّه وفشلت. المفاوضات مع إسرائيل عُقدت مباشرة والموضوعاتُ صارت معلنة.

خلال فترتي الأسد الأب ثم الابن كان هناك تاريخٌ طويل من العلاقة التنسيقية. الفارق في السياستين، أنَّ النظام السابق كان يلعب لعبةً خطرة، تأمين حدود إسرائيل من جهة، والعمل مع إيران ضدها. كانتِ المسألة مجردَ وقت حتى تنفجر الأوضاعُ وتقضي إحدى القوتين الإقليميتين على النظام، وهذا ما حدث.

لا تزال هناك جبالٌ من التحديات أمام القيادة السورية، وهذا ما يجعلُ رحلته لواشنطن حاسمةً سواء في ضبط العلاقة المعقدة مع إسرائيل التي تعتبر حدودُها الأمنية أبعدَ من الجولان. وكذلك إصلاح العلاقة مع المكونات السورية التي تتطلَّع لتكونَ ضمن النظام الجديد، وليس على هامشه مع التخلص من الجماعات المسلحة، التي لا يزال لديها برنامجٌ سياسيٌّ محليٌّ وإقليمي لا ينسجم مع سياسةِ دمشقَ المعلنة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشرع من موسكو إلى واشنطن الشرع من موسكو إلى واشنطن



GMT 18:14 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

بلد بثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي

GMT 18:05 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

2026 مفصليّة لسوريا والمنطقة؟

GMT 18:03 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

تنظيم الفوضى

GMT 18:00 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أقمْ عليهم مأتماً وعويلاً

GMT 17:58 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

على هامش عمليّة كراكاس...

GMT 17:55 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... عام ترمب بدأ مُزَلزِلا

GMT 17:51 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا ــ الكاريبي... واستراتيجية البحار السبعة

GMT 17:49 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي - المغرب اليوم

GMT 20:03 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

ترامب يؤكد روسيا والصين لا تخشيان الناتو بدون أميركا
المغرب اليوم - ترامب يؤكد روسيا والصين لا تخشيان الناتو بدون أميركا

GMT 14:33 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج
المغرب اليوم - نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج

GMT 21:34 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

ترامب قد يعلن تشكيل مجلس السلام في غزة الأسبوع المقبل
المغرب اليوم - ترامب قد يعلن تشكيل مجلس السلام في غزة الأسبوع المقبل

GMT 19:19 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

إسرائيل تستهدف عنصر من الوحدة الجوية لحزب الله
المغرب اليوم - إسرائيل تستهدف عنصر من الوحدة الجوية لحزب الله

GMT 14:58 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

9 أطعمة يمكنك تناولها بحرية دون الخوف من زيادة الوزن
المغرب اليوم - 9 أطعمة يمكنك تناولها بحرية دون الخوف من زيادة الوزن

GMT 20:58 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور إيجابية خلال هذا الشهر

GMT 03:04 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

انتقال كوكب الحب إلى برج العقرب المائي في كانون الأول

GMT 00:45 2019 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

المطربة سميرة سعيد تغني تتر مسلسل مغربي للمرة الأولى

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 12:42 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

اللاعب نذير بلحاج ينضم إلى السيلية القطري

GMT 04:06 2021 الثلاثاء ,04 أيار / مايو

البوسنة والهرسك وجهة السياحة في رمضان

GMT 17:26 2019 الإثنين ,23 كانون الأول / ديسمبر

زياش يحصد ثمار تألقه بعد سحق إيدو دين هاغ بـ6 أهداف

GMT 07:00 2015 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

معارك شرسة في لندن حول خطة بناء مسجد أكبر من الكاتدرائية

GMT 10:07 2022 الثلاثاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

العراق لرفع الطاقة الإنتاجية لغاز البصرة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib