بني ملال – سعيد غيدَّى
تتجه الأنظار بترقّب وخوف، إلى مدينة الحسيمة شمال المغرب، بسبب حالة الجدل القائمة بشأن مسيرة الخميس 18 أيار/مايو الجاري، وبعد إنزال أمني قوي لجميع أنواع الأجهزة الأمنية، التي طوّقت المدينة بكاملها الحراك في مدينة الحسيمة الذي انطلق منذ واقعة "محسن فكري" في تشرين الأول/ أكتوبر السنة الماضية، ما تزال تداعياته في تصعيد، وما تزال ساكنة الريف تخرج عن بكرة أبيها، تتأبط ملفات اجتماعية وخدماتية واقتصادية، بعد استفحال البطالة والتهميش، لكن في مقابل تجاهل كبير وتعتيم تمارسه الحكومة، التي يترأسها حزب العدالة والتنمية.
ووصفت أغلبية الحكومة المغربية، الشباب الريفي بـ"الانفصاليين"، وبخدام أجندة خارجية تهدّد استقرار البلاد، وهو التوصيف الذي خلف ردود فعل قوية، داخل المشهد السياسي المغربي، ووسط الشارع المغربي، الذي اعتبره بيان "العار"، وهو الأمر الذي تراجعت عنه الأحزاب الموقعة.
وأعلنت الأمينة العامة لحزب الاشتراكي الموحد، وعضو الهيئة التنفيذية لفدرالية اليسار الديمقراطي نبيلة منيب، أنّ "مثل هذه التصريحات يمكن أن يُفهم منها أنها موافقة ضمنية على استخدام الدولة للقوة، وهو ما نرفضه ونطلب من الدولة التعامل بحكمة والجلوس للحوار مع المواطنين والمواطنات من أجل عدم تأجيج الوضع أكثر، وخلق حالة من الاحتقان تزيد الأمر سوءاً".
وتفاعلا مع مستجدات الغليان الشعبي في منطقة الريف، كشف محمد الغلوسي، الذي يشغل منصب رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام أنّ "المطلوب اليوم من الدولة، وكل المؤسسات، هو القطع مع أساليب الماضي في التدبير والتوجه نحو وضع استراتيجية تنموية متعددة الأبعاد وإعادة الاعتبار للتعليم كقطاع عمومي أساسي لرفع كافة التحديات ووضع حد للريع والفساد ونهب المال العام وتعزيز صلاحيات الجهات ومدها بكافة الوسائل والإمكانيات للمساهمة الخلاقة في تنمية مستدامة ورفع اليد عن الحقل الحزبي لفرز نخب كفأة وذات مصداقية وتعزيز الانتماء للوطن لقطع الطريق على كل المتربصين به وبوحدته، وما دون ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة التي لن تكون في مصلحة أحد".
واستنكر المكتب الوطني، لشبيبة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، تصريحات ممثلي الأغلبية الحكومية، واصفًا إياها بكونها "تعبر عن عدم استيعاب للمشاكل الحقيقية التي تعاني منها جهة الريف وكذلك الجهات المهمشة الأخرى"، داعيًا الدولة المغربية إلى تحمل مسؤوليتها، والاستجابة إلى مطالب سكان مدينة الحسيمة ونواحيها وفي مقدمتها إلغاء ظهير 1958 الذي يعتبر الإقليم منطقة عسكرية ورفع الإقصاء والتهميش عن المنطقة.
وبيّن الصحافي علي أنوزلا، في مقال نشره على "العربي الجديد" تحت عنوان: "عن حراك الريف المغربي"، أنّه "تعاملت الدولة، حتى الآن، بمرونة مع هذا الحراك، أحيانا بالتغاضي عن مسيراته الاحتجاجية الضخمة التي يبدع الناشطون أسبوعيا في أشكال إخراجها، أو من خلال المنع والقمع والتهديد والترهيب، أو عبر حملات إعلامية مضادّة تقودها وسائل إعلام مقرّبة من السلطة، تتهم الحراك بـ "العمالة للخارج"، وبـرفع مطالب لـ "الانفصال"، وبالسعي إلى "الفتنة"، وآخر الردود الرسمية صدر الأسبوع الماضي عن اجتماعٍ لأحزاب الأغلبية الحكومية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، اتهم الحراك بتجاوز سقف "المطالب الاجتماعية"، وظهور مطالب سياسية تتجاوز "الخطوط الحمراء"، ما يعني في القاموس الرسمي المغربي "المسّ بالمقدّسات" التي يجسّدها في المغرب ثلاثي "الملك، والوحدة الترابية، الدين".
ودعا بعض الناشطين من أبناء الريف إلى الحوار بين الحراك والدولة، وكتب الصحافي في يومية المساء المغربية، محمد أحداد أنّه "أعتقد أن الغلاة من الطرفين ينبغي أن يقدما تنازلات، الدولة عليها أن تقوم بمبادرات حسن النية عبر سحب كل التعزيزات الأمنية التي وصلت إلى المنطقة خلال الأيام الماضية، ولا أعتقد أنها ترفض الحوار، فنزول اليعقوبي إلى الشارع واحتكاكه مؤشر وإن لم يكن كافيا على رغبة الدولة في الاستجابة لمطالب السكان، ثم الكف عن تجييش البلطجية وبعض وسائل الإعلام ضد الحراك ووقف مسرحية الخطاب الانفصالي".
وتفاعل الشارع المغربي مع مستجدات الحراك الشعبي في الريف المغربي، وبات الجميع يترقب مسيرة الخميس، وما ستؤول إليه الأوضاع في الحسيمة، خصوصًا وأن لغطًا كبيرًا رافق هذا الحراك منذ مقتل محسن فكري، بائع السمك الذي "طحنته" شاحنة لنقل الأزبال في موانئ الحسيمة ذاتها، وحتى الآن، ما يزال غموض كبير يلف القضية سياسيًا.


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر