فرص اليمين الأوروبي بعد «محليات» فرنسا

فرص اليمين الأوروبي... بعد «محليات» فرنسا!

المغرب اليوم -

فرص اليمين الأوروبي بعد «محليات» فرنسا

بقلم - إياد أبو شقرا

قالَ الناخبون الفرنسيون، خلال النصف الثاني من مارس (آذار) الحالي، كلمتَهم في الانتخابات المحلية (البلدية)، وذلك وسط رصد دقيق لمسار حزب «التجمّع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن و«ربيبها» جوردان بارديلا.

هذا الحزب كان اشتهر في بداياته، مطلع سبعينات القرن الماضي، بـ«الجبهة الوطنية» تحت قيادة مؤسسه جان ماري لوبن، والد مارين. ولقد كان صعوده لافتاً خلال العقود الأخيرة الماضية، لا سيما بعدما انتقل من ظاهرة شعبوية اعتراضية ومعارضة للمهاجرين إلى «حزب سلطة» حقيقي، يضم اليوم أكثر من 100 ألف عضو، وينتشر محازبوه ومناصروه في عموم أنحاء فرنسا.

لكن ما أكّد نجاح «الجبهة» – أو «التجمّع» منذ عام 2018 – في التحوّل إلى قوة سياسية يُحسب حسابها، لم يقتصر على تثبيت هذا الحزب حضوره على صعيدَي البرلمان والمجالس المحلية، بل تجلّى أيضاً في تأهل مرشحه الرئاسي ثلاث مرّات للجولة الثانية الحاسمة من الانتخابات الرئاسية أعوام 2002 و2017 و2022.

في المقابل، لئن كانت الأرقام تشير إلى أن هذا الحزب المتطرف ضَمِن لنفسه أن يكون الخيار الثاني على الأقل للناخب الفرنسي، فإن ثمة حقيقة ثانية مهمة. وهي تشير إلى أنه في المرّات الثلاث السابقة الذكر انخرط اليمين واليسار التقليديان - ومعهما الوسطيون والبيئيون وغيرهم - في تحالفات انتخابية تكتيكية، كان هدفها الوحيد منع وصول مرشحَي اليمين المتطرف (جان ماري لوبن عام 2002 وابنته مارين عامَي 2017 و2022) من الوصول إلى قصر الإليزيه.

بطبيعة الحال، التحالف تكتيكياً من أجل قطع الطريق على «غول» متطرف – في أي دولة من الدول – يتطلّب تضحية اليمين واليسار التقليديين بالكثير من برامجهما السياسية، ثم السعي إلى التفاهم على الحد الأدنى من القواسم المشتركة.

وهنا قد يقول قائل إن في التحالفات التكتيكية سلبيات مثلما لها إيجابيات. وهذا الكلام صحيح. فمن حيث المبدأ إنما تتعدّد الأحزاب السياسية؛ لأن لكل منها مواقفه وقراءاته للأوضاع العامة، والتطورات الاجتماعية والأمنية، والأولويات الاقتصادية والنقدية.

بالتالي، فإن اضطرار حزبين أو أكثر إلى الاتفاق على تأييد مرشح واحد سيؤدي تلقائياً إلى التخلي عن أجزاء في البرامج الحزبية التي تعبّر عن توجهات المحازبين. وحقاً، كثيراً ما تدفع الأحزاب التقليدية – بخلاف أحزاب «الكوادر» العقائدية – ثمناً باهظاً من صدقيتها أمام «شارعها» الملتزم، فينصرف عنها مفضّلاً التصويت لأي مرشح أو حزب يجد أنه الأكثر ميلاً إلى مطلبه الأول.

ثم إن معظم الأحزاب التقليدية، في غالبية الدول الديمقراطية، ارتبطت عبر تاريخها بشخصيات استثنائية عزّزت مكانتها عند مناصريها. ففي ألمانيا ليس كل مستشار تمتع بمكانة كونراد أديناور أو فيلي براندت، ولا في بريطانيا تكرّر أمثال ونستون تشرتشل أو مارغريت ثاتشر. وطبعاً، ليس كل رئيس قاد فرنسا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية... يجوز مقارنته بالجنرال شارل ديغول «يميناً»، أو فرنسوا ميتران «يساراً»! إلا أن غياب مثل هذه الشخصيات، بالوفاة أو التقاعد، عادة ما يُفقد أحزابها إرثها السياسي أو جاذبيتها «الكاريزمية».

أيضاً، تبدّل الظروف والتحدّيات، التي واكبت التبدّل في أوروبا، خلقا جملة من الحقائق، مثل:

1- تلاشي «الكتلة الشرقية» بعد انهيار «جدار برلين» وسقوط الاتحاد السوفياتي، ما أدى إلى تغيّر خريطة القارة الأوروبية، وبروز «الاتحاد الأوروبي» ككتلة بمواجهة روسيا الجديدة، بالتوازي مع تراجع الثقل اليساري الشيوعي الأوروبي.

2- التطوّر التقني الكبير سدّد ضربة موجعة لسوق العمالة (الوظائف)، وأدى تسارع إيقاعه بفضل «الروبوتات» و«الثورة المعلوماتية»، ثم «الذكاء الاصطناعي»، إلى تراجع قوة النقابات العمالية، ومعها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية. ومقابل ذلك ظهرت أحزاب «المطالب الضيقة» أو المحدودة، مثل الأحزاب البيئية والإقليمية (بما فيها الانفصالية)، وتنظيمات «القضية الواحدة» (كحقوق المثليين ومناهضة الإجهاض).

3 – إلحاقاً بما سبق، جاءت ظاهرة الهجرة، وبالأخص من العالم الثالث، كنتيجة حتمية للتزايد السكاني، والتفاوت التنموي، والأزمات الاقتصادية والسياسية... ناهيك من الحروب الأهلية.

أمام هذه الخلفية، تغيّر المشهد السياسي في معظم الديمقراطيات الغربية. وظهرت الشكوك في ما بدا لعقود عديدة «حالة تفاهمات عريضة راسخة». ومثلما ابتعد البريطانيون عن «الهوية الأوروبية» الواحدة، «نسي» الألمان والإيطاليون ما جرّته عليهم تجربتا النازية والفاشية، فاختاروا تكرارهما، وفجّرت طبقة العمالة غير الماهرة الفرنسية سخطها على المهاجرين، وبذا تحوّل ناشطون فرنسيون كثر من تأييد اليسار الشيوعي إلى تيارات التطرف القومي!

من ثم، الانتخابات المحلية الفرنسية الأخيرة، حتماً، لا تعكس مسبقاً نتائج الانتخابات العامة والرئاسية المقبلة. غير أنها تعطي فكرة لا بأس بها عن الفرص المفتوحة، وتفاوت الأولويات، وتوزّع القوى، والقضايا التي تصطف الأحزاب المتنافسة للدفاع عنها.

نتائج اليمين المتطرف كشفت، مثلاً، أنه ليس «قَدَر» الديمقراطية الفرنسية. فهو أخفق في تحقيق اختراقات، ولا سيما في المدن الكبرى، بينما أكد استمرار قوته في أرياف الجنوب وبعض مدنه حيث توجد كثافة للمهاجرين.

والاشتراكيون - بمختلف أطيافهم - احتفظوا بحضورهم بعدما بدا وكأنهم يتجهون نحو الضياع، كما حصل للشيوعيين.

واليمين التقليدي المعتدل أثبت أنه قادر محلياً، ومثله الوسطيون، على إنتاج قيادات جذابة تجيد مخاطبة بيئاتها.

ولكن، بعكس نجاح القوى البيئية البريطانية بقيادة «الخُضر» في تحقيق تقدم شعبي معقول، تراجع نصيب «خُضر» فرنسا هذه المرة. وفي هذا التراجع بلا شك درس لهم ولحلفائهم ولمنافسيهم على السواء!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرص اليمين الأوروبي بعد «محليات» فرنسا فرص اليمين الأوروبي بعد «محليات» فرنسا



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش

GMT 18:57 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

شركة جوجل تضيف تحديثًا جديدًا في تطبيقها للخرائط

GMT 23:26 2018 الثلاثاء ,18 أيلول / سبتمبر

جوجل تضيف ميزة التعرف على الأغاني في البحث الصوتي

GMT 10:59 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

عصبة سوس لكرة القدم تتواصل مع 23 فريقًا للمشاركة في كأس العرش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib