المعضلات الأخلاقية

المعضلات الأخلاقية

المغرب اليوم -

المعضلات الأخلاقية

معتز بالله عبد الفتاح

من أوائل المقررات الفلسفية التى درسها الإنسان كان مقرر اسمه «فى معنى الأخلاق». الفيلسوفة البريطانية Philippa Ruth Foot وضعت لنا معضلة كبيرة فى عام 1967، حين طلبت منا أن نتخيل شيئا من هذا القبيل، ماذا لو أنت سائق سيارة ضخمة واكتشفت فجأة أنها بلا فرامل، وبالنظر أمامك اكتشفت أن خمسة أشخاص سيموتون قطعا بسبب هذه السيارة، وفجأة وجدت مخرجا وهو أن هناك امرأة تقود سيارة فى الاتجاه المضاد ويبدو أنها وحدها، وبالتالى لو اتجهت بالسيارة فى مواجهتها فستقتلها فقط، وعلى بشاعة هذا البديل، لكن أمامك 20 ثانية لتتخذ قرارك بأن تضحى بالسيدة منفردة أو بالخمسة أشخاص. ماذا تختار عزيزى القارئ؟ يقول أساتذة علم النفس الإدراكى الذين أرادوا اختبار ردود أفعال البشر تجاه مثل هذه المعضلة: إن أغلب الناس اختاروا بديل قتل السيدة عن قتل الخمسة أشخاص، ولكن الاختيار كان صعبا للغاية والتردد كان فى قمته. طيب ماذا لو أنك لست قائد السيارة، وإنما أنت كنت فوق كوبرى ولم يكن هناك بديل المرأة فى السيارة، وسائق السيارة سيقتل الخمسة أشخاص لا محالة، والحل الوحيد كى نمنع السيارة من قتل الخمسة أشخاص أن تقوم بزج شخص ضخم أمامها، وهذا كان بديلا مناسبا لأن شخصا ضخما كان يمر بجوارك وبالتالى كانت التضحية به أسهل. ماذا تختار عزيزى القارئ؟ طيب ماذا لو أنك أنت البديل الوحيد، هل تلقى بنفسك أمام السيارة الضخمة لإنقاذ حياة آخرين؟ يقول أساتذة علم النفسى الذين استكملوا الاختبار: إن الأشخاص تراجعوا عن التدخل فى الأمر حين وجدوا أن هناك تضحية شخصية محتملة، سواء من منظور العواقب القانونية لأن يقتل شخصا، أو المصلحة الشخصية حتى لا يضحى بحياته هو. ماذا لو أنك طبيب أمامك خمسة مصابين فى حادث، وكل واحد فيهم يريد جزءا معينا من جسم الإنسان حتى يعيش، وإلا فالموت للخمسة أشخاص، وجاءك شخص تتناسب أنسجة جسمه وفصيلة دمه مع الأشخاص الخمسة، هل يمكن لك كطبيب أن تقتل شخصا لتحمى أسرة من خمسة أشخاص؟ ماذا لو أنك أقسمت ألا تقول إلا الصدق، وحافظت على القسم والمبدأ معا قرابة 20 عاما، وأنت فى مكان عام وجدت رجلا يجرى لاهثا باحثا عن مكان آمن، فقلت له: اذهب وراء هذا الجدار، وجاء من يجرى ومعه مسدس يبحث عن الشخص الآخر ويسألك: أين هو؟ أمامك أحد اختيارين: إما أن تقول الحقيقة التزاما بالمبدأ والقسم، أو أن تكذب حفاظا على روح شخص أنت لا تعرف هل هو مجرم أم برىء. وفى التاريخ الإسلامى مبادئ مشابهة، مثل قول الفقهاء: «الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما»، أى أن يتحمل أحدنا المفسدة الأقل تجنبا للمفسدة الأكبر. كم مرة وجد أحدنا نفسه أمام هذه الاختيارات على المستوى الشخصى أو الجماعى أو الوطنى؟ كم مرة وجد الإنسان نفسه أمام «مفاضلة بين صنوف الشر»؟ أتذكر حين كان بعض الأصدقاء يفاضلون بين التصويت للدكتور مرسى أو للفريق شفيق، وكان كل واحد منهما لديه رؤيته بشأن أيهما أفضل للثورة وأفضل للدولة، وكانت وجهات النظر متفاوتة لأقصى درجة، وبدا لهم أنها مفاضلة بين صنوف الشر، وهو ما لا يمكن التيقن منه. مصر الآن فى حالة زواج بالإكراه بين طرفين يكره بعضهما بعضا، وأنا لا أتحدث عن اختلاف فى وجهات النظر: هناك حالة كراهية، ورغما عن كل محاولات الإنسان ألا يشرب من نهر الكراهية، وألا يبادل الآخرين الإساءة بالإساءة، فهناك من يدفعنا جميعا دفعا إلى حالة من الكراهية الجماعية، والسؤال: كيف سنعمل معا من أجل مستقبل أفضل وأمامنا هذا الكم من التحديات ونحن ننظر إلى كل من له تقدير مختلف فى أى شىء على أنه متآمر وعميل وخائن ومنافق و«عبده مشتاق»؟! قيل: من وسع علمه قل انكاره. وقيل: {قل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم}. ولكن هذه أقوال تحتاج إلى رجاحة عقل وصفاء نفس. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المعضلات الأخلاقية المعضلات الأخلاقية



GMT 20:20 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

أقوياء بكين

GMT 20:14 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات

GMT 20:11 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

السلام على لسان البابا والتضامن بين الأديان

GMT 20:09 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

«كان» يحتضن العالم!!!

GMT 20:06 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

كلها شرور

GMT 20:03 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

تغيير العالم إلى الخلف!

GMT 20:02 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

المعركة والحرب في الخليج؟!

GMT 14:35 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

لا غضب لا كبرياء

النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 20:45 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تتحدى من يشكك فيك وتذهب بعيداً في إنجازاتك

GMT 18:10 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

بداية جديدة في حياتك المهنية

GMT 15:13 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:45 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

5 أشخاص يُسيطرون على شكل الملابس في عام 2018

GMT 01:02 2023 الجمعة ,07 تموز / يوليو

نادي بنفيكا البرتغالي يُعلن عودة دي ماريا

GMT 14:51 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

أسعار القمح تتراجع مع وفرة المحاصيل واحتدام المنافسة

GMT 15:39 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

تذاكر مجانية لمتابعة مباراة تونس ضد موريتانيا
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib