الطفل الذى مات

الطفل الذى مات

المغرب اليوم -

الطفل الذى مات

معتز بالله عبد الفتاح
يروى أن شخصا كان يقود سيارة فى جو ممطر دون مسّاحات فى شارع ملىء بالمطبات وفجأة وجد أمامه سيارة نورها عال ودراجة بخارية تحمل فوقها الكثير من البضائع يقودها شخص يتمايل بشىء من الرعونة وأنوار الشارع منطفئة وهناك فرح بلدى أقرب إلى الهرجلة تخرج منه أصوات طلقات النار وفجأة يخرج شخص مسرعا من وسط الفرح فيحاول قائد السيارة أن يفاديه فيرتطم بطفل كان يجلس على سيارة مركونة فى غير المكان المخصص لركن السيارات. يموت الطفل. يتوقف الفرح. يتجمع الناس لمعاقبة المسئول عن موت الطفل. ويتداخل كل هؤلاء فى معركة كلامية. ويحكى كل واحد منهم الحكاية على النحو الذى يبرئه، لكن الطفل مات. الجو ممطر بما يستدعى الحذر، ولكننا غير حذرين. قائد السيارة التى تسير بلا مسّاحات، يقول مبررا موقفه: كم من سيارات فى مصر تسير بلا مسّاحات ثم إن الشارع ملىء بالمطبات، لماذا لم تقم الحكومة بتسويتها؟ لكن الطفل مات. ثم ينظر السائق المتهم إلى سائق السيارة التى كانت فى المواجهة ذات النور العالى ليلومه على ما فعل، فيرد عليه هذا الأخير بأنه لم يكن يرى شيئا لأن الشارع بلا أنوار، لماذا لم تقم شركة الكهرباء بإنارة الطريق؟ يسأل الرجل موضحاً موقفه. لكن الطفل مات. ويتدخل قائد العجلة البخارية المحملة بالكثير من الأشياء بأنه لا ذنب له، لأنه لم يكن يتمايل بقرار منه وإنما معه حمولة ثقيلة حمّله إياها صاحب المصنع الذى يعمل به وكان يحاول أن يتفادى شخصا وجده يجرى مسرعا من الفرح نحو السيارة التى كان يقف عليها الطفل. لكن الطفل مات. ويتبين أن الرجل الذى كان يجرى مسرعا من الفرح كان والد الطفل، وقد تركه على ظهر السيارة حتى يذهب بسرعة ليقول «مبروك» للحاج عبدالسميع والد العروس، ولما انطلقت أصوات البنادق احتفاء بالعرس الميمون، فزع الطفل وكاد يقع من على ظهر السيارة، فأراد أبوه أن ينقذه. لكن الطفل مات. ثم يأتى من بعيد صوت أحد عمال الكهرباء ليقول إنه لا ذنب لشركة الكهرباء لأن القائمين على الفرح كانوا يسرقون الكهرباء من عمود النور فعملوا «قفلة» فأعمدة الإنارة توقفت عن العمل، وحين لامهم أعطوه الذى فيه النصيب حتى يسكت. لكن الطفل مات. هذه مصر. وهؤلاء هم المصريون فى الشارع وفى المصنع وفى الحزب وفى مؤسسة الرئاسة وفى البرلمان وفى الاستديوهات. خلطة من العشوائية والاستخفاف والإهمال. انتهت القصة. لكن الطفل مات. تخيلوا معى أن الطفل هو ثورتنا. من المسئول عن ضياعها؟ من المسئول عن الخراب الذى يحل بالبلاد؟ من المسئول عن بقاء المجلس العسكرى فى السلطة أطول مما يجب بكل ما اقترفه من أخطاء؟ من المسئول عن أننا لم نحترم إرادة الناخبين فى استفتاء مارس 2011؟ من المسئول عن ضياع فرصة أن يكون دستور 1971 بتعديلاته هو دستور المرحلة الانتقالية؟ من المسئول عن ألا يمثل الثوار فى البرلمان ثم عن حل البرلمان؟ من الذى رفض أن يكون دستورنا هذا مؤقتا لعشر سنوات فقط أو أقل؟ من المسئول عن ضياع التوافق؟ من المسئول عن اختطاف البلاد؟ من المسئول عن الأرواح التى أزهقت؟ من المسئول عن خسائر الاقتصاد وخسائر الأخلاق وخسائر الروح المعنوية؟ من المسئول عن الطفل الذى مات؟ قائد السيارة القاتلة أم قائد السيارة المقابلة أم الأب الأرعن أم الموتوسيكل المُثقل أم سارق الكهرباء أم مطلق الرصاص أم الحاج عبدالسميع أم مطر السماء؟ تتعدد الإجابات: لكن الطفل مات. كل واحد يجيد إلقاء اللوم على الآخرين ويستعين بالأصدقاء والمناصرين. لكن الطفل مات. الطفل مات. الطفل مات. ويُفاجأ الجميع بأن طبيبا ظهر من وسط الحضور؛ واكتشف أن الطفل لم يزل على قيد الحياة. أمامه فرصة واحدة للحياة. وهى أن نعجل بالتبرع له بالدماء. الكل نسى فجأة التلاوم والعتاب. والكل قرر أن يفعل ما هو صواب؛ لإنقاذ الطفل الذى ظن أنه مات. الفرصة لم تزل بالباب؛ شريطة أن نفكر فيما هو آت. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطفل الذى مات الطفل الذى مات



GMT 14:59 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

«الملحد» و«الست»

GMT 14:55 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

هل يمكن خلع أنياب الأسد الجريح؟

GMT 02:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

الناس ونواب الناس

GMT 02:52 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أكنس مقام السيدة

GMT 02:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

كروان مشاكل وإخوانه

GMT 02:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف

GMT 02:43 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

البرلمان تنقصه لجنة

GMT 02:36 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

الرباط - المغرب اليوم

GMT 15:52 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

سلمى أبو ضيف تكشف عن سبب قبولها مسلسل عرض وطلب
المغرب اليوم - سلمى أبو ضيف تكشف عن سبب قبولها مسلسل عرض وطلب

GMT 06:16 2025 الإثنين ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الإثنين 03 نوفمبر/تشرين الثاني 2025

GMT 18:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:08 2017 الإثنين ,11 أيلول / سبتمبر

ظهور دادي يانكي في المغرب من جديد

GMT 16:15 2021 الإثنين ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الصين تحول تحدي "لعبة الحبار" إلى حقيقة

GMT 04:14 2018 الإثنين ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

"الديستي" يحبط محاولة للهجرة السرية بجهة طنجة

GMT 12:31 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 21:24 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء هادئة خلال هذا الشهر

GMT 03:28 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حارس محمية في كينيا يتعرّض للإصابة بسهم في فمه
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib