الفشل فى العمل الجماعى

الفشل فى العمل الجماعى

المغرب اليوم -

الفشل فى العمل الجماعى

معتز بالله عبد الفتاح
اصبروا معى قليلاً لو سمحتم لأن عندنا مشكلة حقيقية فى أننا لا نعرف كيف نعمل معاً فى المجال السياسى تحديداً وفى غيره كذلك. وبتأمل هذه المسألة تتبين ثلاثة أسباب مجتمعة. أولاً، أسباب نفسية: العمل الجماعى يتطلب درجة من الثقة بالنفس والاستعداد لتحمل المشاق وتوزيع الموارد بصورة مقبولة، ويكون مستحيلاً بين الأشخاص الذين يعانون فقراً فى الإحساس بالأمان الذاتى والرغبة الشديدة فى الزعامة والسيطرة، واعتبار أن جلوسهم على مواقع السلطة والسيطرة على مفاتيح التنظيمات التى يشغلونها يشبع غريزة تحقيق الذات، وهى غريزة لا تقل فى سطوتها عن غريزة الطعام والشراب كما ذهب هارولد لاسويل (Harold Lasswell)، الذى رصد فى مؤلفاته عشرات الأمثلة لأشخاص كانوا بلا حيثية أو مكانة اجتماعية فكان قرارهم بأن يصلوا إلى موقع الزعامة والسيطرة وإلا فسيعملون على تدمير التنظيم من داخله بمنطقنا الشعبى القائل: «إما فيها أو أخفيها». ثانياً، أسباب ثقافية: نحن أبناء مخلصون لنظرية ابن خلدون عن «العصبية» كمصدر للقوة والغلبة والتمكن أى انتماء الإنسان لطائفة أو فئة أو أسرة أو قبيلة يجعل له الحيثية والمكانة والقوة. وهو نفس المفهوم الذى تبناه إميل دوركايم حين ناقش نوعين من التماسك بين البشر: التماسك التلقائى أو الفطرى القائم على علاقات غير اختيارية مثل تماسك وتضامن أبناء الأسرة أو القبيلة الواحدة الذى يسيطر على المجتمعات التى لم تشهد تطوراً كبيراً ولا تشعباً وتعقيداً لمنظومة المكانات الاجتماعية والوظائف والمهن والمؤسسات. والتماسك العضوى أو المؤسسى المبنى على المصلحة المشتركة وتقاسم الأدوار (العضوى)، وهو تماسك يتطور بتطور المجتمعات وتعدد مؤسساتها ومختلف مكوناتها حيث يجتمع الأفراد، لا حول الروابط الدموية أو الجيرة فحسب، وإنما حول الأيديولوجيات (أحزاب، نقابات على سبيل المثال)، والاختصاصات، والمهن، والقضايا المتعددة التى تتكاثر بفعل التطور اللانهائى للمجتمعات العصرية. المشكلة فى مصر ومنطقتنا العربية أن التماسك التلقائى يتراجع فى حين أن التماسك العضوى أو المؤسسى لم يحل محله؛ فهناك تراجع كبير فى رأس مالنا التلقائى القائم على القيم التقليدية، حيث ينحسر احترام الكبير والعطف على الصغير ومعرفة حق العالم على المتعلم (أى صور التماسك التلقائى)، وفى نفس الوقت لا نشهد زيادة فى رأس مالنا المؤسسى، حيث يتراجع احترام القانون وأخلاقيات المهنة وأصول العمل المؤسسى (سواء فى الجامعة أو النقابة أو الحزب)، فلا عدنا كما كنا فى الماضى ولا صرنا إلى ما ذهب إليه أبناء الحضارات الأخرى. ثالثاً، أسباب سياسية وأيديولوجية: فغياب الأطر المؤسسية لتحديد من يحصل على ماذا، متى وكيف ولماذا، فينتهى الأمر بمغالبة ميكيافيلية بلا ضوابط سابقة وإنما اقتلاع شخص لآخر أو شلة لأخرى. وهذه واحدة من فضائل دولة القانون، سواء وجدت فى نظم ديمقراطية أو غير ديمقراطية، حيث توجد قواعد مؤسسية حاكمة للجميع تجعلنا مهما اختلفنا نعمل فى إطار من القانون والبحث عن الحلول الوسط حتى لا تنفجر التنظيمات بما يعود بالسلب على الجميع، فبدلاً من تقاسم النجاح نتنافس فى توزيع الفشل وإلقاء اللوم على الآخرين. وهى مسألة لا يولد الإنسان بها وإنما هى تكتسب كمهارات القراءة والكتابة والحساب، ولهذا حرصت المجتمعات الأكثر تقدماً على أن تدرب النشء فيها على هذه القيم منذ دخولهم المدرسة، فيتعلم التلاميذ فى المدارس كيف يتخذون قراراتهم بالتشاور وتحديد البدائل والسعى للجمع بين البدائل المتعارضة فى بدائل مستحدثة تجمع أكثر من بديل فى صورة حلول وسط، ثم التصويت واحترام قرار الأغلبية بل ومعاقبة من يخرج على هذه التقاليد الديمقراطية. ولهذا السبب قد لا تجد فروقاً كبيرة بين طريقة إدارة الدكتور مرسى للدولة، ولو كان قد فاز فى الانتخابات شخص آخر. ومع ذلك يظل السؤال: هل ممكن أن نخرج من دائرة «الهتيفة والمعارضة والتخوين» إلى دائرة «المفكرين والدارسين والباحثين» عن حلول لمشاكلنا التى هى مشاكل كل مجتمعات العالم؟ ومن نجح فى مواجهتها ليسوا ملائكة منزّلين من السماء أو كائنات فضائية خيالية، هم بشر نجحوا فى أن يتماسكوا على هدف وتحكمهم قواعد مكتوبة ومعلنة وأن ينكروا ذواتهم من أجل الصالح العام. هل هذا ممكن؟ نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفشل فى العمل الجماعى الفشل فى العمل الجماعى



GMT 19:05 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 15:03 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 11:57 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

زوال الأحزاب

GMT 11:56 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

قبل الصدام الكبير إن حصل... لديّ حلم

GMT 11:45 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

ترمب: الأفضل لم يأتِ بعد

GMT 11:44 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية

GMT 11:31 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

طهران وخطوط واشنطن الحمراء

GMT 11:28 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

انتقد ناصر وأحب مديحة وتغزل فى الحشيش!!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

الرباط - المغرب اليوم

GMT 18:18 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

شام الذهبي تطلق أولى تجاربها الغنائية بمباركة أصالة
المغرب اليوم - شام الذهبي تطلق أولى تجاربها الغنائية بمباركة أصالة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 17:16 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 19:04 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 20:51 2020 الجمعة ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

كريستيانو رونالدو يتحول إلى مطرب على خطى فرقة الروك AC/DC

GMT 01:20 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

منافسة بين مرسيدس جي كلاس وأصغر سيارة دفع رباعي يابانية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib