هيكل وسياسة الأرض المحروقة

هيكل وسياسة الأرض المحروقة

المغرب اليوم -

هيكل وسياسة الأرض المحروقة

توفيق بو عشرين

يطلق عليه، في مصر، لقب الأستاذ، ويعرفه جيل الخمسينيات بأنه صديق جمال عبد الناصر، أما هو فلا يرى نفسه إلا صحافياً كان شاهداً على عصر. وعندما توقف عن الكتابة، ظل حاضراً في المشهد المصري، محللاً ومنظراً وصاحب قضية. لكن، أي قضية؟
إنه محمد حسنين هيكل الذي عاد للظهور تلفزيونياً في مصر، الأسبوع الماضي. لم يفاجئ أحداً في ركوبه عربة الانقلاب العسكري في مصر مبكراً، وفي أنه ممن زيّنوا للعسكر الانقلاب على العملية الديمقراطية، والتوجه إلى اجتثاث "الإخوان المسلمين". لكن، المفاجأة تأتي من نوع التبرير الذي يقدمه الأستاذ لجريمةٍ سياسيةٍ مكتملة الأركان.
وصف صاحب التجربة الطويلة في السياسة والصحافة تدخل العسكر في مصر، والانقلاب على حكم محمد مرسي، بالقول (الجيش، اليوم، أكبر قارب إنقاذ في مصر، وهو قارب مسلح. ليس عيباً قبول دور الجيش في تأمين المخطط الاستراتيجي الوطني. مصر كانت على حافة الانهيار، والناس جربوا "الإخوان"، واكتشفوا بسرعة حقيقتهم).  
ولكي يضغط على مشاهديه لقبول هذه (البرشامة)، يوهمهم هيكل بأن تحرك "30 يونيو" أوقف كوارث كثيرة، كانت قادمة في ركاب حكم "الإخوان"، ومنها مشروع إحياء الامبراطورية العثمانية، ولهذا أردوغان اليوم (سيجن)، لأن صديقه محمد مرسي سقط عن الحكم.
لا يحتاج كلام هيكل إلى جهد لتفكيكه ودحضه، فالجيش ليس مخولاً ليقرر مكان المواطنين المصريين من يصلح أو لا يصلح للحكم، ولا عبد الفتاح السيسي قائد سفينة إنقاذ، ولا أردوغان يحلم بعث الإمبراطورية العثمانية. القصة أن الدولة العميقة في مصر لم تقبل أن يصير الحكم في صندوق الاقتراع، وأن السلطة لمن ينتخب. والقوى الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل، لم تقبل أن يدخل العرب نادي الدول الديمقراطية، لأن هذا خطر على أمنها القومي، ولأن الكنز الاستراتيجي لها حكام مثل حسني مبارك، يخافون شعوبهم، ويعملون على تقوية أجهزة الأمن وغسل الأدمغة، والبحث عن حماية الغرب لهم.
لماذا يقف رجل مثل هيكل، وهو على حافة الغروب، كما يقول عن نفسه، في صف الانقلاب، ويبتعد عن خندق المدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة والتوافق؟
الجواب معقد. فيه شقّان، ذاتي وموضوعي. أما الذاتي فهو أن هيكل من النخب التقليدية التي لا ترى لنفسها دوراً وتأثيراً ووجوداً سوى قرب الحاكم، وإن لم تستفد منه مادياً، فإنها تعرف أن المكانة والاعتبار والهيبة والأضواء في القصر لا خارجه. منذ دخل إلى لعبة السلطة مع جمال عبد الناصر، وهو معتقل في شركها، واختلف مع أنور السادات ومبارك على الحجم الذي سيأخذه في بلاطهما، وعلى نوع دوره في ظل حكمهما، وليس على مضمون الحكم السلطوي المستمر الآن في مصر. ولمّا أيقن أن مكانته مع عبد الناصر لن ترجع، فضّل الابتعاد وممارسة معارضة القلم والرأي، في انتظار العودة إلى حظوة القرب من الحاكم، ولمّا لاحت الفرصة مع السيسي، لم يتردد في وضع يده في يد ملطخة بالدماء.
العامل الموضوعي الذي يفسر تأييد محمد حسنين هيكل انقلاباً عسكرياً، مدمراً لكيان الدولة المصرية ومكانتها عقوداً مقبلة، هو عداؤه "الإخوان" والأيدولوجيا الأصولية، وهو ظاهرة سيكولوجية أكثر منها سياسية، تقود قوميين ويساريين وليبراليين إلى التضحية بالديمقراطية، إذا كانت ستحمل أعداءهم إلى السلطة. منطق انتحاري، أو قل هي سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها الجيوش، عندما تشعر بالهزيمة، فتحرق كل ما يمكن أن يستولي عليه العدو ويزيد من قوته. ألم يقرأ هيكل تقرير "هيومان رايتس ووتش" عن فض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية؟ ألم يطالع أحكام الإعدام بالجملة في عصر حقوق الإنسان؟ هل وجد عسكرياً واحداً قاد انقلاباً في كل التاريخ، وأصبح منقذاً لشعبه على متن مركب مسلح؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هيكل وسياسة الأرض المحروقة هيكل وسياسة الأرض المحروقة



GMT 00:20 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

أهداف الاستعمار الفرنسي

GMT 00:18 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

هل يقدر قوادري على فيلم الأسد؟

GMT 00:17 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

اللجوء إلى خندق السطور

GMT 00:14 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»

GMT 07:10 2026 الجمعة ,20 آذار/ مارس

للعيد كعك في غزة

أناقة نجمات رمضان 2026 في منافسة لافتة خارج الشاشة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 11:12 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل ديكورات قواطع الخشب لاختيار ما يلاءم منزلك

GMT 11:59 2021 الجمعة ,24 كانون الأول / ديسمبر

المغرب ينشر أول بطارية دفاع جوي في قاعدة عسكرية جديدة

GMT 19:44 2019 الخميس ,31 كانون الثاني / يناير

وفاة شخصين إثر حادثة سير مروّعة في إقليم الرحامنة

GMT 08:50 2016 الإثنين ,05 كانون الأول / ديسمبر

دور المهرجانات السينمائية في الترويج للسياحة الوطنية

GMT 22:37 2017 السبت ,25 شباط / فبراير

أنواع السياحة

GMT 13:25 2022 الثلاثاء ,24 أيار / مايو

أنا أفضل من نيوتن!

GMT 02:50 2022 السبت ,01 كانون الثاني / يناير

تسريحات شعر حفل نهاية العام ناعمة وراقية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib