رفع راية الدين فوق الصواريخ

رفع راية الدين فوق الصواريخ

المغرب اليوم -

رفع راية الدين فوق الصواريخ

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

عندما كنت طالباً لدرجة الدكتوراه في العلاقات الدولية كان بيننا من تحمسوا لإدخال مفاهيم إسلامية إلى هذا الفرع من العلوم السياسية، وكنت أنا أقلهم حماساً، إلا في إطار الإبستمولوجيا والمنهجية. وردَ هذا على خاطري لحظة سماعي خبر إطلاق الحوثيين صواريخهم تجاه مقدسات المسلمين في مكة والمدينة، وعجز العالم الإسلامي عن إقناع جماعة تسمي نفسها «أنصار الله» بالتوقف عن هذا العبث. سألت نفسي: هل كنا نمزح عندما تحمسنا لإضافة صفة إسلامية إلى قضايا الحرب والسلم؟ وأين تذهب مرجعيتنا الأخلاقية حين يصبح امتحانها مواجهة جماعة ترفع راية الدين؟

أستعيد مناخ الثمانينات وأوائل التسعينات، حين انشغلنا بمشروع «أسلمة المعرفة»، وإمكان بناء العلوم الاجتماعية والإنسانية من منظور إسلامي. كان الطموح مراجعة مصادر المعرفة، وصورة الإنسان، والعلاقة بين القيم والبحث العلمي. لكن المسافة بين طموحنا النظري وعجزنا السياسي اليوم تستحق مساءلة تتجاوز الحنين إلى نقاشات الجامعة.

كان لي زملاء حصلوا على الدكتوراه وعملوا في جامعات أميركية، ثم تركوها للمشاركة فيما عدوه تجسيداً مؤسسياً للمشروع في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا. تأسست الجامعة عام 1983، ثم كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية عام 1990. كان الرهان أن ينتج الجمع بين المعرفة الدينية والعلوم الحديثة وعياً مختلفاً بالعالم.

وسؤالي اليوم: هل كان ذلك كافياً؟ يمكن تدريس السياسة إلى جانب العقيدة دون تغيير أدوات تفسير السياسة، كما يمكن للباحث إتقان المرجعيتين والعجز عن تحديد موقفه عندما تتعارضان. إنشاء المؤسسة بداية؛ أما اختبارها فهو ما تضيفه إلى قدرتنا على الفهم، وما تتيحه من مراجعة لأفكارنا وسلوكنا.

لهذا اهتممت بالإبستمولوجيا والمنهجية: كيف نعرف؟ وبأي أدوات نختبر؟ أما الأنطولوجيا فتسأل عما يتكون منه العالم السياسي: دول ذات سيادة، أم أمة تتجاوز الحدود؟ لم أستبعد السؤال، لكنني لم أقتنع بأن الاشتراك في العقيدة يصنع فاعلاً سياسياً واحداً. فالهوية المشتركة لا تنتج تلقائياً إرادة مشتركة أو سلطة تنفذها.

كنت مستاءً من تعميم نظريات ولدت داخل التجربة التاريخية الغربية، ثم أدركت أن منشأ النظرية لا يحسم صلاحيتها. الأصل الغربي لا يبطل الفكرة، والأصل الإسلامي لا يمنحها أفضلية معرفية. نحتاج إلى توسيع المعرفة بخبراتنا واختبار مفاهيمها، لا استبدال احتكار بواسطة آخر. قيمة النظرية في قدرتها على التفسير، لا في هوية أصحابها. وحين نقول إن العلاقات بين المسلمين تقوم على الأخوة، فهل نصف واقعاً أم نعلن واجباً؟ القتال لا يبطل قيمة الأخوة، لكنه يبطل استخدامها تفسيراً كافياً للسلوك. ولا يجوز تحويل الأمنية الأخلاقية إلى نظرية تفسر حركة الصواريخ، أو استخدام واقعية السياسة لإعفاء مطلقيها من المسؤولية.

أستهجن هذا الاستهتار الحوثي بأمن المنطقة، وأستهجن عجز العالم الإسلامي عن تحويل ثقله إلى ضغط يوقفه. صدرت إدانات عربية وإسلامية، لكن المشكلة تتجاوز إصدار البيانات: كيف تصبح الإدانة تكلفة سياسية على الجماعة وعلى من يدعم تسليحها أو يوفر لها الغطاء؟ وما قيمة التضامن إذا لم يحم الناس من تكرار الاعتداء؟

هذا العبث تتجاوز تبعاته السعودية واليمن. إنه يهدد بتحويل المجال المعروف بالعالم الإسلامي إلى ساحة يستبيح فيها السلاح كل مشترك، بما فيه المقدسات. وحين تعجز الدول والمؤسسات الدينية عن فرض حدود، تتقدم الجماعة المسلحة لتحدد عملياً معنى الإسلام السياسي، وتختزل قضاياه في صاروخ تختار هي وجهته وتوقيت إطلاقه.

أين منظمة التعاون الإسلامي وقبلها منظمة المؤتمر الإسلامي من تحويل المفاهيم إلى التزامات؟ يتضمن ميثاقها محكمة إسلامية دولية للعدل، لكن النص المؤسسي لا يكفي وحده. السؤال هو ما مقدار استعداد الدول لقبول قيود مشتركة، وتحمل تكلفة تنفيذها، وممارسة ضغط منظم على الجماعات المسلحة والدول المؤثرة فيها، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل الاعتراض؟ وإذا كانت حرمة المقدسات لا تجمع هذه الدول على فعل مؤثر، فما الذي يجمعها؟ إن الفشل يبدد صدقية المؤسسات، ويشجع المسلحين على الاعتقاد بأن كل خط أحمر قابل للاختبار والتجاوز من دون ثمن.

إذا عجز مشروعنا عن تفسير اختلاف مصالح المسلمين، وعن التمييز بين شرعية القضية وجرائم رافعي رايتها، فما الذي أضافه؟

المطلوب موقف جماعي يربط الوساطة بالمساءلة، ويطالب بوقف الهجمات، ويضع الداعمين أمام مسؤولياتهم. فإقناع الحوثي ليس موعظة دينية عابرة، وإنما عمل سياسي يستخدم أدوات النفوذ المتاحة. وترك السعودية وحدها تدفع تكلفة حماية المقدسات يكشف خواء حديث متكرر عن وحدة المصير الإسلامي.

لو عدت إلى قاعة الدكتوراه، لقلت لزملائي: نحتاج إلى معرفة قابلة للنقد، وأخلاق تقيد القوة، ومؤسسات تصل بينهما. الاختبار ليس عدد الجامعات والشعارات، بل القدرة على إلزام من يتحدث باسم الإسلام بحدوده. إضافة الشعار الديني إلى الصاروخ لا تجعل وجهته أكثر عدلاً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رفع راية الدين فوق الصواريخ رفع راية الدين فوق الصواريخ



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

GMT 11:36 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الأزمة في التعامل مع الأزمة

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 05:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 10:20 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
المغرب اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 17:54 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 18:18 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

أترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 18:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib