بقلم : سليمان جودة
سافرت مرة إلى الأكاديمية المصرية فى العاصمة الإيطالية روما، وكان ذلك وقت أن كان الفنان فاروق حسنى على رأس وزارة الثقافة.
أما الأكاديمية المصرية هناك فهى شىء فى منتهى الجمال والأُبهة، وإذا كانت قد شهدت عصراً ذهبياً ففى الفترة التى تولى فيها إدارتها فاروق حسنى. وأما مديرها حين زرتها فكان الدكتور مصطفى عبدالمعطى، وكان الرجل فناناً تشكيلياً تجرى ريشته على اللوحات ويعرضها للجمهور، وكذلك كانت زوجته الفنانة رباب نمر، يرحمها الله، وقد استطاع الاثنان تشكيل ثنائى فنى ينتمى إلى المدرسة التشكيلية فى الإسكندرية.
ذات يوم، وجدت الدكتور مصطفى يقف فى حديقة الأكاديمية إلى جوار شجرة من أشجارها الضخمة، وكان فى الشجرة فرع يميل حتى يلامس الأرض. سألته عما إذا كان سيزيل الفرع المائل فسمعت منه ما لم أكن أعرفه ولا أتوقعه.
سمعت من الرجل أنه لا يجرؤ على لمس فرع الشجرة، وأن هذا الفرع المائل إذا كان فى حاجة إلى إزالة، فليس هو الذى يزيله أو يقرر ذلك، ولا هو الذى يحدد مدى حاجته إلى الإزالة من عدمها.
وسمعته يضيف فيقول إن عليه إبلاغ بلدية روما إذا أراد إزالة الفرع المائل، وأن موظفاً من البلدية يأتى ليرى مدى حاجة الفرع إلى الإزالة، فإذا كان يحتاج، فالبلدية هى التى تقوم بالمهمة حسب قواعد مستقرة وأصول مرعية.. فلا مدير الأكاديمية يستطيع، ولا أى بنى آدم فى أى مكان آخر من العاصمة الإيطالية.
تذكرت هذه الواقعة، فقارنت بين مدير أكاديمية مصرية هى الأكاديمية العربية الوحيدة فى روما، ومع ذلك لا يتجاسر على إزالة فرع مائل فى شجرة، وبين موظفين فى محافظة الجيزة ذبحوا أشجار أشهر شارع فيها هو شارع جامعة الدول العربية من الوريد إلى الوريد، وحوّلوا الشارع إلى صحراء لا أثر لشىء أخضر فيه ولا ماء!
وكنت مرة فى العاصمة الألمانية برلين، فلاحظت أن كل شجرة فى كل شارع تحمل لوحة نحاسية حجمها أقل من ربع حجم كف اليد، وعليها رقم مسلسل تستطيع أن تميزه من شجرة إلى شجرة.. سألت فقيل لى إن هذا رقم ملف الشجرة فى البلدية، وإن كل شجرة مما أراه من الأشجار فى عرض الشارع لها ملف، وإن أحداً من البلدية إذا هذّب فروع الشجرة مثلاً، فإن ذلك يتم تسجيله فى الملف أولاً بأول!.. ولذلك تتطلع أنت إلى الشجرة هناك، فلا تتمنى إلا أن تضمك معها صورة للذكرى.
لله الأمر كله.