بقلم : عبد المنعم سعيد
استكمالا لمقال الأحد الماضى عن «النضال من أجل الدولة الوطنية» فإن الطريق إليها ليس بعصىٍّ على النجاح فى الدول الأربع: العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن. وسواء كانت القيادة فى يد دولة رئيس الوزراء «على فالح الزايدى» أو رئيس الدولة الرئيس «أحمد الشرع» أو الرئيس «جوزيف عون» أو رئيس المجلس الرئاسى اليمنى «د. رشاد محمد العليمى» فإن ما يجعلهم يمرون من نفس المرحلة هو أن طريق الخلاص يأتى من استعادة الهوية الوطنية والطريق إلى الدولة الوطنية. كلتا المهمتين موضوعهما أولا السلاح وقدرة الدولة للحصول على احتكار شرعية السلاح؛ وثانيا بدء مشروع وطنى شامل للتنمية والتقدم واللحاق بالعالم المعاصر. الأربعة خلقوا تيارا سياسيا عربيا يبنى على التطورات الكبرى التى جرت فى البيئة العربية الراهنة والتى دخلت فيها دول الخليج العربية إلى دائرة الدول الوطنية الذائعة فى مصر والأردن والمغرب وتونس؛ وتلك التى لا تزال غارقة وفاقدة للاستقرار فى السودان والصومال وليبيا وللأسف فلسطين أيضا. تابعالقرارات
نجاح هذه الدول سوف يشكل نجاحا كبيرا للمنطقة العربية والشرق أوسطية، ويدفع بها إلى اتجاه السلام الذى مثلته التجربتين المصرية والأردنية مع إسرائيل والتى جرى فيها استعادة أراض محتلة. ومن جانب آخر فإن السير على طريق مشروع للبناء والتعمير ويقدم للمصالح الوطنية غذائها فى تنشئة أجيال جديدة تأتى فى عصر باتت فيه سرعة التغيير فى اتجاه التقدم أسرع وأكثر غنى من أى وقت مضى؛ بدلا من إنشائها على التقوقع والانغلاق على الذات المحلية حيث يحتكر الماضى وليس الوطنية التى تأتى مع المستقبل. القصة فى منطقتنا ليست فريدة، وتاريخيا فإن مولد الدول الوطنية جاء باندفاع كبير خلال القرن التاسع عشر عندما جرت الثورة الفرنسية، وقامت الحروب النابليونية التى فجرت ينابيع الدولة الوطنية على أكتاف شخصيات تاريخية مثل بسمارك فى ألمانيا (1871)، وغاريبالدى فى إيطاليا (1861). تأخر دول أوروبا الشرقية والبلقان فى بناء الدولة الوطنية دفعت أثمانا فادحة نتيجة التأخر الذى لم تنج منه إلا بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وسقوط الاتحاد السوفيتى.
وفيما يبدو أن التجربة الحالية للدول العربية هى نتاج المرحلة الراهنة فى المنطقة عندما قادت المليشيات العسكرية التابعة لإيران فى ناحية بالعدوان على جدارة نظام الحكم الذى قام فى الدولة منذ الاستقلال. ومن الناحية أخرى فإن الضغوط الهائلة التى ولدتها الحرب الأمريكية الإيرانية، أضافت آلام إلى الضغوط والحروب السابقة حيث النتيجة باتت البحث عن طريق آخر يتغلب على الإرهاق السياسى والاقتصادى. طريق الدولة الوطنية بات هو السبيل إلى ما نراه فى الدول الأربع أولا من خلال حصر السلاح فى الدولة الوطنية وحدها. سوريا سارت فى هذا الطريق بإصرار حتى سلمت «قسد» كامل سلاحها؛ وعندما تحدث الرئيس السورى فى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة كان تقريرا موسعا عن البناء والعمران الذى تحقق. وثانيا بات شائعا فى تصريحات القادة التركيز على «الهوية الوطنية» كمركز للمواطنين دون تمييز على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية. لم تخل المحاولة من أخطاء كما حدث فى سوريا تجاه منطقة اللاذقية، وفى الجنوب السورى، ولكن المحصلة ظلت إيجابية تتعلم فيها الدولة وأجهزتها. فى العراق ولبنان واليمن فإن المسألة لا تزال أكثر صعوبة، وإذا كان حزب الله انكمش قليلا، فإن الحوثيين بدأوا حربا أهلية وعدوانا كثيفا على الدولة اليمنية والمملكة العربية السعودية.
تجربة السعى نحو الدولة الوطنية رغم ما يبدو عنها من توجهات إيجابية؛ فإنها فى نفس الوقت تواجه صعوبات شاقة فى السودان والصومال وداخل الساحة الفلسطينية كما أنها متأرجحة فى ليبيا ما بين الاعتماد على النفط وأسعاره المرتفعة فى المحافظة على بقاء صناعى لاسم ليبيا، والحركة الدولية التى تكتفى بمنع الصراع. مثل ذلك يحتاج من الدول العربية، والجامعة العربية، تركيز الجهود فى هذه الجبهة على سحب الشرعية عن الميليشيات العسكرية؛ ومضاعفة الجهود لتقديم العون والتدريب والمعونة الفنية للسلطات العربية التى قبلت بناء الدولة الوطنية باعتباره حجر الزاوية لبناء الدولة. الواضح أن الدول الأربع التى بدأنا بها القول حاولت وتحاول الاستفادة من التجارب المصرية والسعودية والأردنية والمغربية سواء ما تعلق بها فى برامج الحداثة، وبناء الهوية، واختراق إقليم الدولة وتعبئة الموارد الوطنية واجتذاب المشاركة الشبابية.
الإشكالية الكبرى سوف تظل واقعة على الحالة الفلسطينية التى لا تزال تعانى من الانقسام الشديد جغرافيا بين غزة والضفة الغربية، وسياسيا بين فتح وحماس، واقتصاديا بين من نجوا من النار الإسرائيلية ومن يعيشون النكبة الفلسطينية مجددا. ولكن الانتخابات التشريعية المنتظرة تمثل فرصة وطنية متقدمة نحو بناء الدولة الوطنية الفلسطينية من خلال أولا تحقيق المشاركة الشعبية الفائقة فى الانتخابات بحيث يتحرر الشعب الفلسطينى وتعطى الرسائل للعالم وإسرائيل أن الدولة الوطنية سوف يأتى بها الشعب الفلسطينى إلى صناديق الانتخابات. وبمعنى آخر- ثانيا- أن الشعب الفلسطينى سوف يتعرض هو الآخر للاختبار الانتخابى الكبير عندما ينتخب من هم قادرون على بناء دولة وليس الفاعلين فى بناء المقابر!.