بقلم : عمرو الشوبكي
أهمية زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا أنها تأتى إلى بلد علمانى لم يكتف بفصل الدين عن الدولة إنما أيضا عن المجال العام، ونص قانون ١٩٠٥ الشهير فى فرنسا على عدم تمويل الدولة للمؤسسات الدينية المسيحية ولأى أنشطة دينية أخرى على خلاف معظم الدول الأوروبية التى تمول المؤسسات الدينية.
ولذا لم يكن غريبا أن تتحمل الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية تكاليف زيارة البابا والتى بلغت ٢٧ مليون يورو وقامت الدولة بواجبها فى تأمين الزيارة وتنظيمها.
والحقيقة أن حديث البابا حمل أبعادا متعددة جوهرها بالطبع دينى وروحانى وأخلاقى، ولكنه حمل أيضا بعدا إنسانيا وأكد على التسامح بين أبناء الديانات والحضارات المختلفة دون تمييز، وهو يمثل امتدادا لمدرسة البابا الراحل فرنسيس الذى كانت له مكانة خاصة بين مختلف شعوب العالم والأديان.
واللافت أن الرئيس الفرنسى استقبل البابا فى قصر الإليزيه استقبالا رسميا وسياسيا يليق بمكانته، ولكنه لم يحضر أى قداس له طوال مدة إقامته فى فرنسا، وهى عادة حافظ عليها معظم الرؤساء الفرنسيين وممثلى الدولة من وزراء وسفراء فى عدم حضورهم أى صلاة أو احتفال دينى خاصة لو أقيم خارج فرنسا على اعتبار إنهم يمثلون دولة علمانية لا يجب أن يشارك ممثلوها فى أى مظاهر دينية.
وقد ترأس البابا فى باريس ثلاث صلوات كبرى: الأولى هى صلاة الغروب فى كاتدرائية نوتردام والثانية كانت فى استاد فرنسا وشارك فيها عشرات الآلاف من المؤمنين، أما الثالثة فكان القداس فى ساحة الشانزليزيه وشارك فيه مئات الآلاف من البشر فى مشهد استثنائى لم تعرفه فرنسا منذ عقود.
واللافت أن البابا لم يكتف بالصلوات واللقاءات مع المسيحيين والكاثوليك إنما زار أمس الأول «بيت بخيتة»، هو مركز شهير يهتم بالمهاجرين واللاجئين ويساعدهم على الاندماج فى المجتمع الفرنسى.
زيارة البابا لأى بلد مهمة، ولكن زياراته لفرنسا لها أهمية خاصة لأنها النموذج المتفرد فى علمانيته فى أوروبا والذى يفصل الدين عن المجال العام وليس فقط المجال السياسى، ولذا حرص البابا فى حديثه على التأكيد على أهمية حضور الدين فى المجال العام، كما رفض الرجل الحروب وسيطرة الآلة على الإنسان، ودعا إلى السلام والتعددية ونزع السلاح النووى.
أما محطته الأخيرة فستكون اليوم فى مدينة ميتز المتاخمة للحدود الألمانية وسيلقى فيها محاضرة سياسية فى قالب مسيحى سماها «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» وهى تستجيب لتيار صاعد فى أوروبا يرغب فى الاستماع لخطاب رجل دين عن السلام والتضامن من زاوية مختلفة عن خطاب الحكومات والمؤسسات الأوروبية.
ستبقى زيارة البابا إلى باريس والحشود التى استقبلته مؤشرا على حضور المشاعر الإيمانية والدينية، حتى لو كانت فى أكثر البلاد علمانية وتحجيما لدور الدين فى المجال العام.