استدعاء الأصول الدينية والحضارية

استدعاء الأصول الدينية والحضارية

المغرب اليوم -

استدعاء الأصول الدينية والحضارية

بقلم : عمرو الشوبكي

لا نستطيع القول إن الاستقطاب الحادث بين أقصى اليمين واليسار في أوروبا هو فقط نتيجة الخلاف حول الأصول الثقافية والعرقية، إنما صار المكون الرئيسي لهذا الاستقطاب الذي كان في الماضي القريب يتركز حول القضايا الاجتماعية والتوجهات الاقتصادية.

والحقيقة لم يكن يتخيل من تابع التحولات الكبرى في فرنسا عقب وصول اليسار إلى الحكم عام 1981، والنقاش المحتدم حول البرنامج الاقتصادي الأنجح، وبريق الاشتراكية التي بشر بها الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران، أن يجد في انتخابات الرئاسة الحالية تحول جانب رئيسي من النقاش بين المرشحين إلى خلاف حول الأصول العرقية والثقافية وليس فقط الهجرة والمهاجرين، حتى بدا الأمر كأنه نقاش في بلد آخر غير الذي تابع نقاشاته السياسية وصراعاته الانتخابية منذ ما يقرب من نصف قرن.

لقد صار هناك ما يشبه «المزاد» العام الذي يتبارى فيه بعض المرشحين في الحديث عن خطر الإسلام، وعدم قدرة المسلمين على الاندماج في المجتمع الفرنسي، وتجاهل الملايين الذين يعملون في صمت ويدفعون الضرائب ويسهمون في بناء الاقتصاد الفرنسي، وصار هناك انقسام واضح بين تيارات يمينية ويسارية متسامحة ومنفتحة ولا تعتبر «الأصل الثقافي والديني معوقاً أمام الاندماج في المجتمع والنظام السياسي»، وتيارات أخرى في أقصى اليمين تعتبر أن كل من هو من أصول غير «مسيحية بيضاء» ليس «فرنسياً أو أوروبياً حقيقياً»، إنما «فرنسي بالورق».

ومن هنا لن نندهش كثيراً حين نجد أن جانباً من الجدل الذي شهدته فرنسا مؤخراً كان تعليقاً على ما قاله المرشح اليميني المتطرف إريك زامور، بأنه يفضل أن يعالجه إنسان آلي (روبوت) عن مهاجر أجنبي، ولكنه أضاف لو كان هذا المهاجر بولندياً أو برتغالياً (أوروبياً) فسيقبله، واعتبر أن وجود المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا هو من أجل الغزو والإحلال مكان السكان الأوروبيين، وأن من يرتكب منهم جرائم لا يكون بسبب انحراف وانتهاك للقانون، إنما تنفيذ «للجهاد» لإيذاء غير المسلمين، كما طالب بمنع تسمية الأطفال أسماء عربية أي غير فرنسية، كما عادت مرشحة أقصى اليمين مارين لوبان والأوفر حظاً في الفوز بانتخابات الرئاسة، وأعلنت أنها تنوي منع الحجاب في الأماكن العامة، وليس المؤسسات العامة كما هو متعارف عليه وفق النموذج العلماني الفرنسي، الذي يمنع المظاهر الدينية (وضع الصليب أو ارتداء القلنسوة اليهودية أو الحجاب الإسلامي) داخل أي مؤسسة حكومية.

والحقيقة أن هذا الخطاب المتطرف والاستعلائي له قاعدة اجتماعية تدعمه، يقابله خطاب آخر يؤمن بالتعايش بين الأديان وبقيمة الحوار الحضاري، ولديه أيضاً قاعدة اجتماعية تدعمه، سواء بين أحزاب يمين ويسار الوسط أو أقصى اليسار.

ولذا، علينا ألا نندهش حين نجد أن تقدم اليمين المتطرف في مكان، أو فوزه في دائرة أو مقاطعة، يقابله فوز آخر لأقصى اليسار أو يسار الوسط، وهو ما جرى في ألمانيا منتصف هذا الشهر؛ حين فاز حزب «البديل» اليميني المتطرف بأغلبية مقاعد مقاطعة سكسونيا ثم ولاية مكلونورغ، فردت عليه برلين بفوز قائمة حزب اليسار، التي قادتها إليف إيرالب وهي من أصول تركية وتبلغ من العمر 45 عاماً، ما دفع قوى اليمين المتطرف إلى استدعاء أصولها الدينية والعرقية، رغم أنها ركزت حملتها بدرجة كبيرة على أزمة السكن والإيجارات والقضايا التي تهم الناس، واستلهمت تجربة زهران ممداني في نيويورك.

إن أهمية فوز إليف إيرالب وحزب اليسار في برلين أنها مثلت رداً عملياً على طرح حزب «البديل» شعار إعادة المهاجرين إلى بلادهم الأصلية، وبخاصة أن حزبها نجح في أن ينال دعم 29 في المائة من الألمان ذوي الأصول المسلمة، ويتقدم على الحزب الاجتماعي الديمقراطي الذي حافظ على دعم نسبة مرتفعة أيضاً من أصوات الألمان المسلمين وبلغت 28 في المائة.

صحيح أن هناك قضايا أخرى خارج الأصل العرقي والحضاري تشير إليها أحزاب أقصى اليمين؛ مثل أن المهاجرين سبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات الجريمة وزيادة البطالة بين «أصحاب البلد»، وهي قضايا تمثل مدخلاً للحديث عن أن سبب ذلك هو أصولهم العرقية والدينية وليس الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بهم، ولذا فإن فوز مرشحة مهاجرة من أصول تركية ضرب سردية التفوق العرقي والحضاري لدى اليمين المتطرف الألماني، الذي اعتبر أن المشكلة في أصولهم وليس السياق المحيط.

إن هناك استدعاءً واضحاً «للأصول» في معارك أوروبا الانتخابية والسياسية، وهناك أيضاً عودة لحديث التفوق العرقي والحضاري، يقابله خطاب آخر يحاول أن يثبت جدارة «كل الأصول» إذا وجدت بيئة اجتماعية وسياسية عادلة، ودولة قانون لا تميز بين مواطنيها على ضوء أصولهم العرقية أو دينهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

استدعاء الأصول الدينية والحضارية استدعاء الأصول الدينية والحضارية



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 05:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 10:20 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
المغرب اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 17:54 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 18:18 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

أترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib