المكانة لا تصنعها المظاهر

المكانة لا تصنعها المظاهر

المغرب اليوم -

المكانة لا تصنعها المظاهر

عمرو الشوبكي
بقلم : عمرو الشوبكي

لم يتصور كثيرون، حين سعوا إلى السكن في أماكن أكثر راحة وهدوءاً، أن يتحول الأمر إلى بحث عن مكانة اجتماعية، أو عن مظهر خارجي براق، حتى لو كان بلا مضمون، وهو يختلف عما عرفته مصر في سنواتها السابقة، حين كانت الشقق الكبيرة في الأحياء التي عُرفت «بالراقية»، مثل الزمالك وغاردن سيتي وغيرهما، يختار السكن فيها الميسورون، والطبقات العليا من أجل الراحة، والهدوء، والموقع الجميل، ولم يكن يفصل بين هذين الحيين والأحياء الشعبية وأحياء الطبقة الوسطى المحيطة بهما أسوار. وتغير الحال في السنوات الأخيرة، وظهرت مناطق جديدة، أو ما يُعرف بـ«الكومباوند»، أحيطت بأسوار عالية، وأمن خاص، ثم وضع كود لدخول الزائرين، والضيوف، وقد تفهّمه كثيرون، واعتبروه نوعاً من الحماية، والحفاظ على الخصوصية، في ظل ما شهده المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة من مظاهر متزايدة للعشوائية، والفوضى. الاستثمارفي مصر

والحقيقة أن المعضلة الحقيقية لم تكن أساساً في هذه المظاهر الجديدة للحماية، والتميز، ولا في أن تُقدَّم خدمات أفضل، وتُبنى حدائق، وملاعب، وأندية خاصة، ومطاعم، وأرصفة يمكن للناس السير عليها، وهي أمور لا تتوافر في كثير من أحياء القاهرة. لكن الأمر تطور خلال السنوات الأخيرة، وأصبح «الكومباوند» لدى البعض، وكما هو الحال في بعض مناطق الساحل الشمالي، ليس مجرد مكان للسكن المريح، إنما «جواز مرور» إلى مكانة اجتماعية أعلى، قائمة على الاستثناءات، وكسر القوانين، والقواعد، وعلى التفاخر بالمظاهر، وليس بالإنجاز والعمل اللذين يفترض أنهما يجلبان المال، والمكانة الاجتماعية. والمدهش أن الانتقال كان من منطق الحي الراقي في قاهرة الأربعينات -الذي سكنه من نالوا تعليماً رفيعاً، وتعاملوا برقي مع باقي البشر، وانفتحوا على الجوانب الإيجابية في الثقافة الغربية- إلى ظهور «محدثي النعمة» الذين لا يملكون إلا التفاخر بالمال، والمظهر الخارجي، وكرّسوا منطق الاستثناء، والصخب، وأحياناً البذاءة، ومخالفة القواعد التي وضعتها حتى إدارات هذه الأماكن، والتي بدت عاجزة عن محاسبتهم.

وتوالت الصدمات مؤخراً، وبدأنا نسمع عن «عمليات تحرٍّ» لحسابات الزائرين، وبخاصة على «إنستغرام»، تجريها بعض الأماكن، لا سيما بعض قرى الساحل الشمالي، لمعرفة ما إذا كانوا «لائقين»، أو يصلحون لدخول المكان أم لا. وأصبح معيار التميز هنا هو المفاضلة بين ثري وأكثر ثراءً، وبين من تشير أنماط إنفاقه وصوره على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أنه لن «يضايق» رواد المكان. في حين أن المعيار الذي يُطبَّق في كل العالم هو الالتزام بقواعد المكان، وبالقوانين المطبقة في البلد.

وأذكر أنني شاهدت بعيني اعتراض سيدة مالكة لوحدة في «كومباوند» على جلوس موظفة تعمل هناك في المقهى نفسه الذي كانت تجلس فيه، على اعتبار أن وجودها يؤثر على شكل المكان، ومستواه. وقد اعترض أصدقائي من سكان المكان على تصرف السيدة، كما تمسّك صاحب المقهى بوجود الموظفة باعتبارها «زبونة» مثل غيرها. بل إن السيدة تقدمت بشكوى إلى الإدارة التي أحسنَت التصرف، ولم تستجب لطلبها.

صحيح هناك كثيرون من سكان هذه المناطق لا يقبلون مثل هذه السلوكيات، لكن الصادم في تصرف هذه السيدة -وكثيرين على شاكلتها- أنهم لا يعتبرون السير عكس الاتجاه، أو القيادة بسرعة كبيرة في منطقة سكنية، أو السباب البذيء الذي يتبادله أحياناً بعض الشباب، أو الحفلات الصاخبة التي تمتد حتى الفجر في فيلات وسط الأسبوع، أنها أمور تؤثر في صورة المكان، و«مستواه الاجتماعي». وهنا تحديداً يعد انقلاباً في القيم والمعايير: فالمشكلة لم تعد في السلوك الذي يضر بالآخرين، أو يخالف القواعد، وإنما في إنسان لم يرتكب خطأ يُنظر إلى وجوده على أنه لا يليق بصورة المكان!!!

والحقيقة أن مشكلة «الكومباوند» -كما بعض قرى الساحل الشمالي- قد أمعنت في معايير التمييز بين المواطنين، حتى بدت كأنها بلا نهاية، ولم تختر الحل الأسلم، وهو تطبيق القواعد والقوانين على الجميع. فعرفنا في البداية تمييزاً بين الملاك والمستأجرين، وفُصلت الشواطئ التي يرتادها كل منهما، ومُنع المستأجرون من دخول أماكن كثيرة اقتصرت على من احتفظوا بكارت التمايز الاسمي، الذي كانوا يرددونه بتفاخر: «أنا» Owner.

لا يمكن قبول التمييز بين المواطنين استناداً إلى معيار واحد هو القدرة على الدفع، والمظهر الخارجي، لأن الدخول في هذا النفق بلا نهاية، وسيحوّل البحث عن مكان هادئ ومريح للسكن أو لقضاء عطلة الصيف إلى مباراة في المظاهر، والأزياء، وصيحات الموضة. فلا يمكن لأي بلد أن يعد معيار دخول مكان هو النجاح في «اختبار (إنستغرام)» وفي نوع سيارته، وماركة الساعة التي يحملها، لأن كثيراً ممن نجحوا في هذا «الاختبار» مارسوا سلوكيات مشينة، وارتكبوا أحياناً جرائم لا يدل عليها مظهرهم الخارجي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المكانة لا تصنعها المظاهر المكانة لا تصنعها المظاهر



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 05:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 10:20 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
المغرب اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 17:54 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 18:18 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

أترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 18:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib