نعذرهم ونطمئن لعدلهم

نعذرهم ونطمئن لعدلهم

المغرب اليوم -

نعذرهم ونطمئن لعدلهم

فهمي هويدي


اتجاه الحكومة البريطانية إلى إصدار قوانين جديدة لمكافحة الجماعات الإسلامية المتطرفة أمر مبرر ومفهوم ولا ينبغى أن يكون مصدر قلق لعموم المسلمين.

كانت تلك خلاصة رأيى حين طلب منى التعليق على تصريحات رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون بعد فوز حزبه فى الانتخابات البرلمانية وتشكيله حكومة محافظة جديدة. وفى شرح وجهة نظرى فإننى اعتبرت أنه من الطبيعى أن تنزعج الحكومة البريطانية من أنشطة المتطرفين المسلمين. واختراقهم لبعض عناصر الجالية إلى الحد الذى دفع البعض إلى الالتحاق بجماعة «داعش» فى سوريا والعراق. وإذا صح أن واحدا من هؤلاء اشترك فى قتل بعض ضحايا التنظيم (محمد اموزاى الذى عرف باسم الجهادى جون) فإن صدى الجريمة فى بريطانيا لا يمكن تجاهله. إذ لابد أن يسهم فى تكثيف ضغوط الرأى العام على الحكومة لكى تفعل شيئا يحد من خطر الإرهاب.

إننا إذا نظرنا إلى المسألة بموضوعية وتجرد فسوف نلتمس العذر للحكومة البريطانية إذا ما هى قامت بواجبها فى حماية مجتمعها ومواطنيها من اختراقات وممارسات الجماعات المتطرفة. فى الوقت ذاته فإننا لا نستطيع أن نتجاهل الضغوط التى تمارسها على بريطانيا بعض الدول العربية المشتبكة مع المتطرفين أو الإسلام السياسى لكى تلاحق أو تصادر أنشطة الإسلاميين الذين يقيمون على أرضها. وهى ضغوط وصلت إلى حد الابتزاز والتهديد بوقف أو فسخ بعض مشروعات التعاون الاقتصادى مع تلك الدول إذا لم تستجب الحكومة البريطانية لما يطلب منها وهو ما حدث مع احدى دول الخليج.

حين أزعم أننا ينبغى ألا نقلق من الإجراءات والقوانين البريطانية فإن ذلك ينطلق من خلفية تعتبر بريطانيا دولة ديمقراطية تحترم حريات الناس وكراماتهم، وفيها قانون راسخ له قدسيته، وبرلمان أفرزته انتخابات نزيهة وحرة، وفيها قضاء مستقل لا يأتمر بأمر أحد. كما أنها لا تعرف الجهات «السيادية» التى تعبث بمصائر الناس فى الظلام. وحين تتوافر تلك العناصر فإنها تطمئن المواطن والوافد. والمسلم وغير المسلم. والمشكلة تحدث والقلق يتضاعف حين يسود القمع وتصبح مصائر الناس معلقة على تقارير ووشايات الأجهزة الأمنية ودسائسها. وحين تفصل القوانين لحماية النظام وتسويغ قمع المواطنين. وحين يصبح القضاء بوقا للأمن وأداة له.

أدرى أنهم فى بريطانيا ليسوا مثاليين وليسوا منزهين عن المصالح والأهواء، ولكن وجود الديمقراطية واحترام القانون واستقلال القضاء من الكوابح التى تحول دون القهر وتحد من أثر الظلم، وتطمئن البرىء إلى أنه سوف يحصل على حقه فى نهاية المطاف.

لا أستطيع أن أتجاهل صفحة الاحتلال البريطانى لبعض دول العالم العربى، كما لا ينسى لبريطانيا دورها فى إطلاق وعد بلفور الذى مهد للنكبة فى فلسطين، فذلك جزء من التاريخ الذى يتعذر غض الطرف عنه أو اغتفاره. لكن ذلك لا ينبغى أن يصرف نظرنا عن جانب من الفضائل والقيم التى استقرت فى بريطانيا. علما بأن بعضها يتماس مع مصالحنا بعدما غدا العالم أكثر تشابكا وأصبح فى بريطانيا مواطنون مسلمون وصل عددهم إلى نحو ثلاثة ملايين شخص (غير المضطهدين اللاجئين إليها)، وقد صار بعض المسلمين نوابا فى البرلمان ووزراء فى الحكومة، وقرأت أخيرا أن أحدهم بصدد ترشيح نفسه لرئاسة بلدية لندن.

وإذا قارنا بالأسوأ فسنجد أن بريطانيا أفضل حالا من فرنسا. فالعلمانية فى بريطانيا متصالحة مع الدين ولا مشكلة لها مع الإسلام المعتدل، أما فى فرنسا فالعلمانية مخاصمة للدين، وكراهية الإسلام والمسلمين شائعة فى أوساط الطبقة السياسية والمثقفين ثم إن النفوذ الصهيونى والانحياز لإسرائيل أقل فى بريطانيا منه فى فرنسا. كما أن الوضع فى بريطانيا أقل سوءا منه فى الولايات المتحدة، خصوصا فى انحياز الأخيرة لإسرائيل وتحكمها فى الكثير من مفاصلها، وكذلك فى تفشى العنصرية فى محيطها الأمنى.

قل ما شئت فى السياسة البريطانية أو حتى فى المجتمع بناسه وعوائده، لكنك لا تستطيع أن تنكر أن هناك قانونا يحترم وقضاء مستقلا لا يظلم أمامه أحد، وذلك كفيل بطمأنة الجميع إلى أن البرىء لن يضام، وأن من خالف القانون سينال جزاءه المستحق.

من ناحية أخرى، فإننا لا ينبغى أن نتوجه بكل اللوم نحو الحكومات الغربية التى تتشدد فى تعاملها مع المسلمين، فتضيِّق عليهم وتحرمهم من بعض الحقوق. ذلك أنه كانت تلك الحكومات تتعرض أيضا لضغوط الحركات اليمينية المتنامية الرافضة للغرباء والكارهة للمسلمين خصوصا، فإننا يجب أن نعترف بأن ممارسات بعض المسلمين الذين يقيمون بين ظهرانينا هى التى تغذى تلك الحركات المتطرفة فى الغرب، كما أن المسلمين الذين يعيشون فى تلك المجتمعات هم الذين يدفعون ثمن تلك الممارسات. كأن الإسلام فى الغرب يحارب بممارسات المتطرفين فى بلادنا، وأغلبهم هم نتاج الكبت والظلم وإفرازات أنظمة القهر والاستبداد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نعذرهم ونطمئن لعدلهم نعذرهم ونطمئن لعدلهم



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 05:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 10:20 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
المغرب اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 22:55 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عرض مسلسل "الحقيقة والسراب" على شاشة "نايل دراما"

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib