رياح التكفير السياسى

رياح التكفير السياسى

المغرب اليوم -

رياح التكفير السياسى

فهمي هويدي

يعرف كثيرون أن الدكتور محمد البرادعى كان أحد مهندسى ومنظرى إخراج انقلاب 3 يوليو. وأنه كان شريكا فى ترتيب أوضاع ما بعد الانقلاب سواء فى محيط الرئاسة أو فيما خص الاتصال بالعالم الخارجى، أو فى تشكيل الحكومة وترشيح بعض أعضائها. ومن ثم فلا يشك أحد فى أن الرجل وظف خبرته وتاريخه ورصيده المعنوى لصالح إنجاح الانقلاب وتسويقه، وهذه الخلفية لا يستطيع المرء أن يتجاهلها وهو يشهد «الانقلاب» على الرجل الذى صرنا نتابعه هذه الأيام عبر وسائل الإعلام المصرية، التى ما برحت تجرح شخصه وتاريخه حتى قرأت اتهامات له بالخيانة وشاهدت رسوما كاريكاتورية صورته وهو يطعن مصر فى ظهرها، ذلك غير الدعوات التى أطلقت لتحديد إقامته والشائعات التى تحدثت عن علاقته بالتنظيم الدولى للإخوان، وعن إدراج اسمه ضمن الممنوعين من السفر إلى الخارج.. إلخ المحظور الذى وقع فيه الرجل وأدى إلى ملاحقته واغتياله سياسيا ومعنويا يتلخص فى أنه تحدث عن الإخوان باعتبارهم قوى وطنية لا ينبغى تجاهل دورها، ثم إنه رفض استخدام القوة فى اعتصام رابعة العدوية وتحدث عن وجود وسائل أخرى سلمية لفضه وحل الأزمة مع الإخوان، ثم إنه قدم استقالته من منصبه كنائب رئيس للجمهورية بعدما تم استخدام القوة فى فض الاعتصام الذى سقط فيه مئات القتلى وآلاف الجرحى كانت جريمة الدكتور البرادعى أنه اختلف مع شركائه حول مسألة القتل وأراد أن يخلى مسئوليته عن الدماء التى أريقت فأعلن رأيه وقرر الانسحاب من المشهد والاستقالة من منصبه. أعنى أنه اختلف فى الأسلوب وليس فى الغاية. لأنه كان شريكا وجزءا من الانقلاب منذ لحظاته الأولى. لكن ذلك لم يغفر له، فاستهدفته السهام على النحو الذى أشرت إليه حالة الدكتور البرادعى ليست الوحيدة، لأن العدد القليل من المثقفين الذين حاولوا أن يتبنوا مواقف معتدلة وشريفة التزموا خلالها بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. تعرضوا لحملات مماثلة من التشويه ومحاولات الاغتيال عبر وسائل الإعلام، التى نصبت المشانق المحاطة بحملة الأسهم المسمومة. لكل من تسول له نفسه أن يعترض على خطاب الكراهية ودعوات الإبادة السياسية بل والمادية أيضا. ولا غرابة فى ذلك، فقد كتب أحدهم داعيا إلى إحراق الإخوان بـ«الجاز» (يقصد الكيروسين)الملاحظ أن حملات التجريح والاغتيال هذه تتم فى أوساط عناصر كانت ومازالت معارضة للإخوان ومخاصمة لهم، وهو ما يصوِّر لك مدى حدة الاستقطاب وعمق مشاعر الكراهية التى جعلت البعض لا يحتملون أى قدر من الاختلاف مع رفاقهم ونظائرهم. ودهشتنا تتضاعف حين نجد بين حراس المشانق وحملة الأسهم المسمومة مثقفين وأكاديميين محترمين كانوا يعظوننا طوال السنوات التى خلت فى الدعوة إلى التسامح وضرورة احترام الرأى الآخر والالتزام بقيم الديمقراطية والتعددية... إلخ إذا كان ذلك يحدث بين أبناء الفصيل السياسى الواحد، بحيث أصبح الاختلاف فى الوسائل مسوغا للاتهام بالأخونة وبتقاضى الأموال من التنظيم الدولى وصولا إلى الاتهام بالخيانة، فلك أن تتصور ما يمكن أن يرمى به المحايدون على قلتهم، ناهيك عن الذين اختاروا الاصطفاف إلى جانب الفصيل الآخر المعارض للانقلاب، سواء كانوا من الإسلاميين أو من المستقلين. وفى مثل هذه الأجواء فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن الطريق نحو إقامة غرف الغاز وتجهيزها للمحرقة الكبرى بات مفتوحا وممهدا. والذين تحدثوا عن إحراقهم بالكيروسين أو اعتبروا أن مجرد الإعدام قليل على رموز المعارضين، حتى إذا كانوا يمثلون أصواتا استثنائية، يهيئون الأذهان للقبول بفكرة المحرقة ربما جاز لنا أن نقول الآن إننا بصدد الدخول فى طور التفكير السياسى. ذلك أنه إذا كنا قد شهدنا تراجعا لدعاة التكفير الدينى الذين يخرجون من عداهم من الملة الدينية، فإننا الآن نواجه تكفيرا مماثلا فى مصر لإخراج المخالفين من الملة الوطنية لا أمل لنا فى تجاوز هذه المحنة سوى أن نراهن على ثبات القلة القليلة من أصحاب الضمائر التى لم تشوه ولم تمت، لأنهم وحدهم يقدمون الدليل على أن الجنون ليس مطلقا وأنه لايزال فى مصر بقية من عقل تعطينا بصيص أمل فى مستقبل أكثر تفاولا وأقل تعاسة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رياح التكفير السياسى رياح التكفير السياسى



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 05:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 16:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر
المغرب اليوم - تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر

GMT 10:20 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
المغرب اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 22:55 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عرض مسلسل "الحقيقة والسراب" على شاشة "نايل دراما"

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib