الأمم المتحدة ما قيمة الحق دون حماية

الأمم المتحدة... ما قيمة الحق دون حماية؟

المغرب اليوم -

الأمم المتحدة ما قيمة الحق دون حماية

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

كان أسبوعاً صاخباً في نيويورك مع افتتاح جلسات الجمعية العامة، حافلاً بالخطابات؛ بعضها ملهم، وبعضها غارق في البيروقراطية أو المثالية. لكن الواضح أنَّنا أمام مؤسسة دولية نجحت في أن تكون منبراً للخطابة، وتعجز عن تحويل خطابها إلى حماية. وقبل أن نحمّل الفشل كله على مؤسسات الأمم المتحدة، علينا إدراك أنَّ قوة المنظمة وفاعلية قراراتها تعتمدان على استعداد الدول الأعضاء، وخصوصاً القوى الكبرى في مجلس الأمن، لحماية القرارات الدولية وصون شرعيتها بالتزام القانون الدولي؛ فالخطابة لا تكفي.

وتفرض هذه المفارقة خمس قضايا استراتيجية: تآكل الشرعية، وانتقال القرار خارج المؤسسة، وتحويل التمويل إلى أداة إخضاع، وتفكك الترابط بين وظائف المنظمة، وإصلاح موازين القوة والتمثيل داخلها.

ترى، ما معنى أن تقف الأمم المتحدة مع حق فلسطين في الوجود كدولة، أو مع حل الدولتين، وهي عاجزة عن حماية الفلسطينيين من الإبادة؟ وكيف تتحوَّل منصتها إلى مكان يتهم فيه نتنياهو المحتجين على سياساته بالجبن الأخلاقي، بعدما انسحبت وفود عديدة احتجاجاً على كلمته؟ ما قيمة الاعتراف بحق شعب إذا ظلَّ بقاؤه معلقاً بإرادة من يملك السلاح، ولم يبقَ لدى المنظمة سوى الإدانة ومناشدات وقف القتل؟

تكشف هذه الأسئلة جوهر أزمة النظام الدولي: الفجوة بين إعلان الحق والقدرة على حمايته. فالأمم المتحدة ليست حكومة عالمية تملك جيشاً مستقلاً وإرادة تعلو على الدول، لكنَّها ترتيب سياسي وقانوني تعهد أعضاؤه بتحمل مسؤوليات مشتركة. وعندما يعطّل الأقوياء هذه المسؤوليات، ثم يلومون المؤسسة على عجزها، فإنَّهم يحاكمون نتائج سياساتهم ويتنصلون منها.

القضية الأولى هي الشرعية. يستمد القرار الدولي قيمته العملية من احترامه، ومن التكلفة التي يتحملها من يخالفه. وإذا تراكمت القرارات المعطلة، تعلّم القوي أنَّ التجاهل ممكن، وتعلّم الضعيف أنَّ الاعتراف بمعاناته لا يضمن إنهاءها. عندئذ تتفاوت قيمة القانون بحسب هوية صاحبه وحلفائه. واستعادة الشرعية تتطلب آليات متابعة، وجداول تنفيذ، وتدابير دبلوماسية واقتصادية تجعل الانتهاك مكلفاً، بدلاً من مكافأة صاحبه بالوقت.

وفي فلسطين، تعني حماية تقرير المصير حماية البشر والأرض والمؤسسات التي تجعل الدولة ممكنة. فالاعتراف المتزامن مع تدمير شروط قيام الدولة قد يتحوَّل إلى تعويض لغوي عن خسارة سياسية. والامتحان هو منع استخدام زمن التفاوض لتغيير الجغرافيا، بحيث تصبح الدولة المعترف بها اسماً بلا مجال للحياة.

القضية الثانية هي انتقال القرار خارج المؤسسة. فالسؤال ليس عدد الرؤساء الحاضرين، وإنَّما أين تُصنع التسويات، ومن يشارك فيها. حين تتفاوض قلة على مستقبل دولة، ثم تطلب من المنظمة التَّصديق، تتحول العضوية الواسعة إلى جمهور. وقد تكون المفاوضات المحدودة ضرورية، لكن مشروعيتها تستلزم مشاركة أصحاب القضية، وخضوع نتائجها للقانون، وضمانات تنفيذ تخضع للمساءلة؛ وإلا غدتِ الأمم المتحدة مكتباً لتسجيل موازين القوة.

القضية الثالثة هي التمويل بوصفه سلطة. فالجهة التي تستطيع حجب الموارد تستطيع التأثير في الأولويات، حتى دون تعديل الميثاق. وعندما تحل المساهمات الطوعية والمشروطة محل التمويل المستقر، يتَّسع نفوذ المانح على حساب استقلال المؤسسة. المطلوب تمويل يمكن توقعه، والتزام بسداد المستحقات، وشفافية تربط الإنفاق بالنتائج. فالكفاءة ضرورية، لكن اختزال الإصلاح في خفض الميزانيات قد يدمر القدرة التي يُفترض أنَّه يريد تحسينها.

القضية الرابعة هي تفكك وظائف المنظمة. لا يمكن تمويل الإغاثة وإهمال منع الحرب، أو طلب انتخابات دون مؤسسات، أو مطالبة اللاجئين بالعودة دون أمن... هذه حلقات مترابطة، وتعطيل إحداها ينقل التكلفة إلى البقية. والأخطر أن تصبح المساعدات إدارة دائمة لنتائج العنف، في حين يبقى منتجه محصناً. لذلك ينبغي وصل العمل الإنساني بمسار سياسي يحمي الحقوق، مع صون استقلال الإغاثة، حتى لا يصبح الخبز نفسه ورقة تفاوض.

القضية الخامسة هي إصلاح القوة والتمثيل. توسيع مجلس الأمن قد يعالج نقص التمثيل، لكنَّه لا يكسر الشلل إذا أعاد إنتاج الامتيازات نفسها. الإصلاح الجاد يقاس بتحسين القدرة على اتخاذ القرار ومساءلة معطّليه، وبتمثيل أعدل للمناطق المحرومة. ويبدأ بالضغط لتقييد استخدام «الفيتو» في الفظائع الجماعية، وبناء تحالفات تدفع إجراءات قانونية ودبلوماسية متاحة، دون انتظار اتفاق شامل قد لا يأتي.

عربياً، يتطلب ذلك تحويل الحضور السنوي إلى عمل متصل: تنسيق التصويت، وتمويل المؤسسات الضرورية، وحشد الشركاء، وربط العلاقات الثنائية بمواقف عملية تحمي الفلسطينيين. فالأغلبية العددية لا تصبح قوة إلا بالتنظيم والاستمرار والاستعداد لتحمل التكلفة. وهذا يقتضي تحديد المسؤول عن كل التزام، وموارد تنفيذه، وموعد مراجعة نتائجه.

مستقبل الأمم المتحدة يتوقَّف على استعداد أعضائها لتحويل الالتزام إلى قدرة. وعلى إسرائيل أن تدرك أن لهذه السياسات ثمناً سياسياً واقتصادياً وقانونياً لا تستطيع الإفلات منه. حين تصبح التكلفة حقيقية، قد يتغير المشهد كله.

إنَّ الإبادة في غزة كارثة تستدعي مراجعة أسس النظام الدولي. وكما دفعت فظائع الحرب العالمية الثانية إلى بناء مؤسسات وقواعد جديدة، ينبغي أن يدفع ما جرى في غزة إلى واقع يحمي البشر ويحاسب الجناة. فلا يجوز أن تنتهي هذه المأساة ببيان إدانة آخر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمم المتحدة ما قيمة الحق دون حماية الأمم المتحدة ما قيمة الحق دون حماية



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 22:55 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عرض مسلسل "الحقيقة والسراب" على شاشة "نايل دراما"

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020

GMT 15:13 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib