ماذا بعد وقف إطلاق النار

ماذا بعد وقف إطلاق النار؟

المغرب اليوم -

ماذا بعد وقف إطلاق النار

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

المعلومات العامة عن حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران معروفة على نطاق واسع للأطراف الداخلة في الحرب ولمناصريهم أيضاً، فلا داعي للدخول في تفاصيل مسيرة الحرب، إلا أن هناك الكثير من الأسرار ما زالت غاطسة في لج من الظلام، ربما تُعرف بعضها قريباً، وربما لا تُعرف أبداً.

الطرف الإسرائيلي يرى أنه انتصر، ويحتفل بذلك الانتصار، والطرف الإيراني يرى أنه انتصر، وأيضاً يحتفل بذلك الانتصار، وهو أمر طبيعي من أجل تسويق ما حدث لكل جمهور على حدة.

من طرف آخر، فإن فكرة حساب الأرباح والخسائر لكلا الطرفين مادياً ومعنوياً، بشكل موضوعي، من المبكر الحديث حولها. ما يلفت هو الكم الهائل من التحليلات في وسائل التواصل الاجتماعي التي نظرت، وخاصة إلى الأيام الأخيرة من الحرب، نظرة تهكمية، ومن الصعب معرفة هذا التوجه، وهذا الموقف السلبي، إلا من خلال رؤية الموضوع من زاوية عدم الثقة، أو عدم القدرة على تفسير الأحداث بشكل منطقي، والارتباك الذي صاحب نهايات ذلك الاشتباك المميت.

الآن أكثر الأسئلة جدية: هل هذا وقف إطلاق نار أو هو هدنة مؤقتة إلى حين؟ واضح من بعض التصريحات أنه هدنة مؤقتة، ثم السؤال الأكثر أهمية: هل سوف نجد طريقاً للتفاوض حول القضايا الأساسية التي بسببها انطلقت هذه الحرب، وهي ثلاثية النووي، والأسلحة الباليستية، والتدخل في الجوار؟ حتى كتابة هذه السطور لا يبدو أن هناك طريقاً لبدء التفاوض من أجل الوصول إلى حل دائم.

اختبر الاثنان اللذان دخلا في الصراع قوة بعضهما، فلم تستطع إسرائيل أن تحقق كل أهدافها، ولأول مرة اختبرت وقوع الصواريخ على أرضها بكثافة، وأيضاً في إيران لأول مرة اختبرت هذا الكم من قوة النار وقوة المعلومات التي يبدو أنها اخترقت صفوف النظام الإيراني!

وأيضاً لأول مرة انتقلت حرب بالوكالة أو الوكلاء، إلى حرب الأصالة، وبالتالي لم تعد هناك هوامش للمناورة لأي طرف من الأطراف، وماذا يريد من الآخر! المؤكد، حسب طبيعة الأشياء، أن تكون هناك تساؤلات في كلا البلدين بعد حين، ومن الصعب توقع مسيرة الارتدادات على ما حصل في داخل كل منهما.

بطبيعة الحال هناك موقف عربي، وأيضاً إلى حد كبير عالمي، تبلور مؤخراً، يشجب ما يحدث في غزة من تصفية عرقية، وأيضاً مطالبة العالم بعد تجربة مريرة، بحل القضية الكبرى في الشرق الأوسط، وهي القضية الفلسطينية.

لقد سقطت أوهام القوة المفرطة التي يمكن بها التغلب النهائي على الآخر، حدثت جروح، وربما جروح عميقة، ولكنها لم تحدث الفرق المطلوب من أي فريق ضد الآخر.

الانتهاء من القضية الكبرى في الشرق الأوسط يحتاج إلى قناعة في واشنطن التي يبدو أنها لم تصل إليها حتى الآن. هذه القناعة يجب أن تواكبها أيضاً إرادة سياسية أميركية أولاً، وأوروبية ثانياً، من أجل إرساء أسس السلام في هذه المنطقة.

صحيح أن ما جرى في الاثني عشر يوماً هو حرب أساساً بين إسرائيل وإيران، ولكن الصورة التي هي أوسع أن هناك صراعاً عالمياً، صراع قوى أكبر من طرفَي المعادلة الإسرائيلية - الإيرانية. طرفا هذا الصراع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (مع فوارق المواقف البينية)، والصين وروسيا من جهة أخرى (مع فوارق المواقف البينية).

هاتان القوتان الكبريان لهما مصالح، ولكن حجم قوتهما تمنعانهما من الصراع الساخن، فتحتاجان إلى وكلاء، وهم وكلاء أيضاً لهم مشروعات حقيقية أو واهمة في إقليمهم.

الصراع بين الولايات المتحدة والصين هو ليس صراعاً تقليدياً، كما حدث بين الأولى والاتحاد السوفياتي في السنوات السابقة، هو صراع حول التقدم التقني الذي يجب أن تتفوق فيه قوة على أخرى.

وما دام الصراع المباشر ممتنعاً، فإن صراعاً بالوكالة يمكن أن ينشب. وليس سراً أن الأطراف الكبرى قد مدت المتصارعين بالدعم السياسي أو المادي، ومتى ما حلت المشاكل الكبرى بين تلك الأطراف، يمكن حل مشاكل صراع الوكلاء الذين يتخيلون أنهم مستقلون.

المشهد أيضاً له تفاصيل أخرى، وإن كانت جانبية، ولكنها موجودة. لقد بدأت «غربان» وسائل التواصل تحاول أن تصيح بالويل والثبور لدول الخليج، كما صرخ بعضهم ليلة الثالث والعشرين من هذا الشهر بأن هناك صواريخ «تهطل على دول الخليج»! في موقف يذكرنا بنفس موقف «الغربان» الذين جفت حناجرهم في عام 1990، عندما احتُلت الكويت.

هذا يدل على رغبة دفينة لتدمير الأمن في هذه الدول. هذا يعني أن هناك تمنيات من البعض، تقول ما دام بعض البلدان العربية قد خربت، فلماذا لا تخرب البلدان الأخرى؟ وهو تصور مرضي، ولكننا خبرناه في السابق، وأيضاً وجدناه من جديد في الأزمة الأخيرة.

دول الخليج دخلت في الغالب إلى ما يمكن أن يسمى مرحلة ما بعد الحداثة، وقدمت نموذجاً في التنمية له آفاق إيجابية كثيرة، واتخذت خطوات سياسية واقتصادية لتقوية الجسور، وجذب دول أخرى لهذا النموذج، سواء سوريا الجديدة أو الأردن أو مصر أو حتى العراق، والحفاظ على هذا النموذج يحتاج إلى عمل منظم، أساسه تمتين الروابط، والتجاوز عن الصغائر.

فمن الضروري أخذ العبر والتحوط، والحديث عن محور خليجي تنسيقي أكثر صلابة وأكثر وضوحاً؛ فالمنطقة ما زالت حبلى بالصراعات، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى الإقليمي، فـ«عسكرة المذاهب والأديان» سوف تبقى معنا لفترة، كما الصراع على النفوذ. لهذا السبب، فإن دول الخليج محتم عليها أن تذهب بعيداً في التنسيق العسكري والاقتصادي والجيوسياسي، مع الاعتماد على النفس، من أجل الابتعاد عن تلك الصراعات المميتة التي خفتت، ولكن في الغالب هذا الخفوت سوف يكون مؤقتاً؛ فما زالت النار تحت الرماد.

آخر الكلام: السلوك السياسي الأميركي في الأزمة لافت؛ إذ سمحت للأطراف أن تختبر بعضها، وبعد إجهاد الطرفين تقدمت للإنقاذ!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا بعد وقف إطلاق النار ماذا بعد وقف إطلاق النار



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نجوى كرم تعيد فستان المخمل إلى الواجهة وتلهم النجمات

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 07:03 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً
المغرب اليوم - الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً

GMT 05:18 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

لقاحات شائعة تحمي من الأمراض المزمنة منها الخرف والسرطان
المغرب اليوم - لقاحات شائعة تحمي من الأمراض المزمنة منها الخرف والسرطان

GMT 07:39 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

ترقب لإعلان الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026
المغرب اليوم - ترقب لإعلان الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026

GMT 19:56 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

مصدر مصري ينفي صفقة غاز جديدة مع إسرائيل

GMT 20:49 2022 الأربعاء ,13 تموز / يوليو

سُّلطان عمان يصل إلى ألمانيا في زيارة رسمية

GMT 18:37 2024 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

شكاية فنية موضوعها الإقصاء والتهميش

GMT 14:15 2021 الثلاثاء ,01 حزيران / يونيو

ديوان شعري أمازيغي يدعم مرضى السرطان الفقراء

GMT 15:14 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 14:02 2026 الإثنين ,27 تموز / يوليو

طريقة الحصول على أفضل سرعة شحن لهواتف أندرويد

GMT 03:53 2021 الأحد ,10 تشرين الأول / أكتوبر

ولاية كيرالا الهندية وجهة مناسبة لقضاء شهر العسل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib