المعنى الغائب في أكثر صراعات العالم حضوراً

المعنى الغائب في أكثر صراعات العالم حضوراً

المغرب اليوم -

المعنى الغائب في أكثر صراعات العالم حضوراً

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

ما تحت السطح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لا يفسَّر بتوازن السلاح وحده، بل بتوازن السرديات. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتقني والتنظيمي، لا تكتفي بالقوة الصلبة، بل تستند إلى قوة ناعمة، تجعل أفعالها، مهما بلغت من قسوة، قابلةً للتبرير داخل المجتمعات الغربية. هنا تتولد الحيرة: كيف يمكن لمنظومة تدّعي الدفاع عن العقل والأخلاق وحقوق الإنسان أن تدعم دولةً ترتكب انتهاكات موثقة دون مساءلة؟

الجواب يبدأ من التاريخ، لا من السياسة. فإسرائيل لم تُبنَ في الوعي الغربي دولةً طبيعيةً، بل مشروع أخلاقي مرتبط بعقدة الذنب الأوروبية بعد المحرقة. هذا الإرث لم يُعالَج بوصفه مأساة إنسانية عامة، بل جرى تحويله إلى التزام دائم بحماية إسرائيل. وهكذا انتقل الشعور بالذنب من كونه درساً أخلاقياً إلى حصانة سياسية، جعلت إسرائيل فوق النقد، وفوق القانون. في هذا السياق، تشكلت سردية تعتبر أي مساءلة لإسرائيل تهديداً أخلاقياً. مصطلح «معاداة السامية» خرج من معناه التاريخي بوصفه توصيفاً للعنصرية، ليتحوَّل إلى أداة ردع فكرية. المفارقة أنَّ العرب هم ساميون أيضاً، لكن هذا الواقع يُستبعد من الخطاب. النتيجة أن الفلسطيني يُجرَّد من صفة الضحيَّة، بينما تُحتكر صفة الضحية لصالح طرف واحد، مهما امتلك من قوة.

الطبقة الثانية تحت السطح هي هيمنة الصورة. إسرائيل نجحت، عبر الإعلام والسينما والجامعات ومراكز الأبحاث، في ترسيخ صورة «الدولة المحاصرة» التي تدافع عن نفسها، بينما يُقدَّم الفلسطيني باعتباره تهديداً أمنياً. بهذه الطريقة تُمحى السياقات التاريخية للاحتلال والاستيطان،

تلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في تثبيت هذه المعادلة. إسرائيل ليست مجرد حليف، بل امتداد وظيفي في منطقة حساسة. الدفاع عنها يعني الدفاع عن النفوذ الأميركي نفسه. لذلك لا يُستغرب أن تُواجَه قرارات محكمة العدل الدولية، حين تدين أفعال إسرائيل، بردود فعل عقابية من واشنطن.

لكن السؤال الجوهري هو: هل هذه السردية ثابتة؟ الواقع يشير إلى أنها قوية، لكنها ليست أبدية. فالسرديات، مهما بدت محصنة، تتآكل حين يتراكم التناقض بين الرواية والواقع. ما نشهده اليوم هو بداية تصدع بطيء داخل المجتمعات الغربية، لا داخل الحكومات بالضرورة. الجامعات، وحركات الشباب، ومنظمات حقوق الإنسان، وحتى أصوات يهودية ناقدة، بدأت تطرح أسئلة لم تكن مطروحة سابقاً.

تغيير السردية لا يتم بالصراخ، بل بأدوات دقيقة. أولى هذه الأدوات اللغة. الخطاب العربي غالباً يخاطب ذاته، لا الجمهور الغربي. المطلوب لغة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والتاريخ المقارن؛ أي اللغة التي يحاكم بها الغرب نفسه. الأداة الثانية هي الاستثمار الطويل في المعرفة: مراكز بحث، وإعلام محترف، وسينما، وأدب، وصحافة استقصائية قادرة على منافسة الرواية السائدة.

الأداة الثالثة هي فصل اليهودية ديناً وثقافةً عن الصهيونية مشروعاً سياسياً. هذا الفصل يحرر النقاش من الابتزاز الأخلاقي، ويمنع احتكار الحديث باسم اليهود. وجود أعداد كبيرة من اليهود في مواقع التأثير لا يعني تجانس مواقفهم، بل إن كثيراً منهم باتوا في طليعة النقد الأخلاقي لإسرائيل.

أما الأداة الرابعة، فهي العمل داخل الغرب، لا ضده، ببناء تحالفات مع قوى مدنية وحقوقية، ومع إعلاميين وأكاديميين مستقلين، أكثر فاعلية من خطاب المواجهة الشاملة. فالسرديات لا تسقط بالخصومة، بل بالاختراق الهادئ والمراكمة.

ويظل البعد الديني عاملاً حاسماً في تثبيت هذا الدعم، خصوصاً داخل التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة، حيث تُقدَّم إسرائيل جزءاً من نبوءة لاهوتية، لا دولة تخضع للمساءلة. هذا التداخل بين الدين والسياسة يمنح السردية الإسرائيلية بعداً عاطفياً يصعب اختراقه، لأنه يحوّل الموقف السياسي إلى واجب إيماني. في مواجهة ذلك، لا يكفي النقد السياسي، بل يتطلب الأمر خطاباً معرفياً يوضح كيف جرى توظيف النصوص الدينية لخدمة مشروع قومي حديث، وكيف تم تديين السياسة لإسكات أي اعتراض عقلاني. إلى جانب ذلك، ينبغي الاعتراف بأن العالم العربي نفسه أسهم، أحياناً دون قصد، في إضعاف روايته، عبر غياب العمل المؤسسي طويل المدى، والاعتماد على ردود الفعل. فالسرديات لا تُدار بالأزمات، بل بالنَّفَس الطويل. إعادة التوازن تتطلب صبراً، واستثماراً في الإنسان، والتعليم، والقدرة على مخاطبة الآخر بلغته ومنطقه. بهذا المعنى، فإن تغيير السردية ليس معركةً عاجلةً تُحسم في موسم سياسي واحد، بل مسار تراكمي. قد لا تظهر نتائجه سريعاً، لكنه وحده القادر على تحويل التعاطف الأخلاقي إلى موقف سياسي مستدام.

ولهذا فإن جوهر المأزق لا يكمن في اختلال موازين القوة وحدها، بل في عجزنا عن تحويل الفهم إلى سياسة، والرؤية إلى فعل منظم، فالصراع، كما يُدار اليوم، يُختزل في ردود أفعال آنية، بينما تُترك معركة الرأي العام بلا إدارة حقيقية. إن إعادة بناء الفهم تقتضي الانتقال من الانفعال إلى التحليل، ومن الشكوى إلى إنتاج معرفة قابلة للتداول، ومن الخطاب المحلي إلى خطاب عالمي، وحين يصبح الفهم مشتركاً، تتغير اللغة، وتتراجع الأساطير، ويضيق هامش التبرير الأخلاقي للعنف. عندها فقط، يمكن للصراع أن يُرى على حقيقته، لا كما تريد له السرديات المهيمنة، بل كما هو: قضية شعب حُرم من حقه، ونظام دولي أخفق في حماية مبادئه، ولا تُمحى بتفوق القوة، ولا بتراكم الأعذار، ولا بصمت المتفرجين، ولا بتواطؤ المؤسسات، فالفهم الدقيق هو البداية الوحيدة الممكنة لأي مسار عقلاني مستقبلي جاد.

آخر الكلام: في عالم تحكمه السرديات، لا يهزم من يخطئ، بل من يعجز عن الشرح.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المعنى الغائب في أكثر صراعات العالم حضوراً المعنى الغائب في أكثر صراعات العالم حضوراً



GMT 05:09 2026 السبت ,16 أيار / مايو

في مفترق الطرق ؟!

GMT 05:08 2026 السبت ,16 أيار / مايو

يروغ خلاصاً

GMT 05:07 2026 السبت ,16 أيار / مايو

مالي... لسان اللهب الأفريقي

GMT 05:05 2026 السبت ,16 أيار / مايو

أسد التاريخ

GMT 05:05 2026 السبت ,16 أيار / مايو

مثلث برمودا في هرمز

GMT 14:53 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

كما في الرسم

GMT 14:51 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

أغنى رجل بمصر... وتجارة تزوير الوثائق

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:38 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

تركز الأضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 03:15 2024 الإثنين ,16 كانون الأول / ديسمبر

نحو 25 منصة بثّت منافسات قفز السعودية بـ3 لغات عالمية

GMT 15:28 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 06:11 2017 الأربعاء ,12 تموز / يوليو

استقبال بريطانيا ملك إسبانيا في زيارة دولية

GMT 02:09 2017 الأربعاء ,18 كانون الثاني / يناير

هروب إنسان الغاب في مبنى Monsoon من حديقة تشيستر

GMT 20:41 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 08:44 2018 السبت ,13 تشرين الأول / أكتوبر

شركة أرامكو السعودية تنفي زيادة أسعار البنزين

GMT 04:38 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

مستجدات مشروع مغربي-إماراتي لتزويد1000 قرية بالطاقة الشمسية

GMT 02:53 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

صابرين تؤكد صدمة عائلتها من مسلسل "الجماعة 2"

GMT 11:08 2016 الجمعة ,11 آذار/ مارس

تعلمي العناية بنفسك خلال فترة النفاس

GMT 01:30 2025 الجمعة ,15 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الجمعة 15 أغسطس/آب 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib